الخلاف فيها بين [ الصفحة 246 ] أصحابنا الذين بذلوا مجهودهم في تحصيل الأحكام وبالغوا في تهذيب مداركها وتنقيح مسالكها مع خلوص قصدهم في الإفتاء عن الأغراض النفسانية والدواعي الشهوانية فإن الخلاف المشتمل على طرفي النقيض ممتنع أن يكون حقا عند غير أهل التصويب ، فقضيّة ما قّر من الوجوه وجوب ظهور الإمام على من أخطأ في النظر ولو سرّا لإرشاده إلى الحق إمّا بحجة بيّنة أو بإقامة معجزة ولو وقع مثل ذلك لشاع وذاع ولأدى إلى انحسام مادة النزاع وانقطاع الاختلاف بين أولى الدراية والإنصاف وكل ذلك معلوم الخلاف .
وأمّا ثانيا فبالحلّ وهو أن الذي يساعد عليه العقل ويعاضده الواقع إنما هو وجوب تبليغ الأحكام في الجملة لا مطلقا فإنّا نرى بالعيان أنّ كثيرا من الكفار النائين عن بلاد الإسلام ولا سيّما المخدّرات منهم في الحجال ما بلغت إليهم دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله ولا سمعوا بمعجزاته ولا خطرت بأوهامهم وجوب الفحص والتتبع لتحصيل الحقّ فلو كان الواجب عليه تعالى هو التبليغ العام وإتمام الحجة على جميع الأنام لكان في عدم تبليغ أولئك المذكورين وعدم إتمام الحجة عليهم تاركا للواجب ومرتكبا للقبيح تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وكذا الكلام بالنسبة إلى الذين ماتوا في الفترة قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وآله أو قبل وصول الخبر إليهم أو قبل ثبوت الحق لديهم .
وبالجملة لو وجب التبليغ العام على الإطلاق لحصل التبليغ بالنسبة إلى كل من بلغ عاقلا من غير أن يتأخر التبليغ في حقه من أول زمن بلوغه وعقله مع أن انتفاءه معلوم بالوجدان والمشاهدة والعيان بل نقول لا يجب عليه تشريع الأحكام على الإطلاق فضلا عن وجوب تبليغها على الإطلاق فإن الصبيّ المراهق الذي لم يبلغ حد البلوغ قد يكون أذكى وأعقل من كثير من البالغين ومع ذلك لم يشرع في حقه الأحكام الإيجابيّة والتحريميّة فاتضح أن الواجب عليه تعالى إنما هو تشريع الأحكام في الجملة ولو بالنسبة إلى الذين بلغوا حدّ البلوغ وكذلك الواجب عليه تعالى إنما هو التبليغ في الجملة ولو بالطريق المعتاد بين العباد فيكفي إرسال الرّسل ونصب الحجج مع تبليغ البعض سواء تمكنوا من التبليغ إلى الكل وبلغوا أو حصل هناك موانع منعهم عن التبليغ إلى البعض فلم يبلغوا إليهم فإنه لا يجب [ عليه تعالى إبقاء المكلفين إلى أن يحصل التبليغ في حقهم ولا تمكين المبلغين من التبليغ إلى الباقين ] عليه تمكينهم من التبليغ إليهم بدفع مكائد الطواغيت ودفع شرورهم عنهم .
وبهذا البيان يندفع الوجوه الثلاثة ، الأول : فإن قلت فما الفائدة في إرسال الرسل ونصب الحجج إذا لم يتمكنوا [ إذا منعوا ] من التبليغ العام بالنسبة إلى الذين لم يتمكنوا من تبليغهم ، وأيضا أيّ فرق
إجماعات فقهاء الإمامية — صفحة 200
مساهمون: السيد أحمد الموسوي الروضاتي
ص٢٠٠