على العكس ، والذي يساعد عليه مصطلحهم على ما يظهر من تضاعيف كلماتهم هو الأول ، والذي يقتضيه في الحجية هو الثاني .
فإن قلت لعلّ الوجه أن الواقع منه ليس إلا هذه الصورة وهي ما إذا كان المتفقون ممن يعتبر قولهم في الفتاوى وإن ضم من علم أنه ليس بمعصوم استطرادا ، قلت الاختصاص في الوقوع لا يوجب التخصيص في الماهيّة ، مع أن الظاهر عدم وقوع تلك الصورة أيضا كما سنشير إليه ، والاستطراد لا يصلح للتعليل لأن الكلام فيما هو حجة حقيقة هذا والذي يساعد عليه النظر الصحيح أنّ مورد الإجماع لا يختص بالصّورة المذكورة بل له صور أخرى أيضا كما سيأتي ، أظهرها أن يتفق جماعة مطلقا أو من أهل الفتوى على قول دينيّ بحيث يكشف عن موافقة قول المعصوم لهم ولو بمعونة ضميمة خارجيّة ، والوجه في الترديد ما عرفت والطريقة التي تفرد بها الشيخ في الإجماع جارية على هذه الصورة ومن اعتبر في الإجماع دخول المعصوم في المتفقين ، فله أن يعرف هذه الصورة بأنها اتفاق جماعة يقطع بدخول المعصوم فيهم بعينه قطعا مستندا إلى اتفاق من عداه ، ويردّد بينها وبين ما مرّ والفرق بين هاتين الصورتين اعتباري ، والمراد بالقول في هذه الحدود الرأي والمذهب سواء دل عليه بقول أو فعل أو غيرهما .
فقد تلخص مما حققنا أن الإجماع عبارة عن اتفاق جماعة على حكم ديني يقطع بأن المعصوم أحدهم لا بعينه أو يقطع به فيهم بعينه ويكون القطع بقوله مستندا إلى اتفاق الآخرين ، ولك أن تجعل الإجماع في الصورة الثانية عبارة عن الاتفاق الكاشف دون المجموع المركب من الكاشف والمستكشف عنه ، ولو عرف الإجماع بأنه الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم على حكم ديني كان أخصر وأجمع .
فصل اختلف القائلون بحجيّة الإجماع في مدركها
فلأصحابنا رضوان اللّه عليهم طرق ثلاثة ؛ الأول : ما ذكره العلامة وجماعة وهو أن الأمة إذا قالت بقول فقد قال المعصوم به أيضا لأنه من الأمة بل سيّدها ورئيسها والخطأ مأمون عليه ، وهذا التعليل ناظر إلى تفسير الإجماع باتفاق جميع علماء هذه الأمة فمرادهم باتفاق الأمة هنا اتفاق علمائها بقرينة الحد ، وكان السّر في تخصيص الإجماع وطريقه باتفاق الكل مع عدم اختصاصها عندهم به كما نبّهنا عليه هو أنهم تكلموا أولا على الإجماع بالمعنى المتداول عند العامة ثم نبّهوا على الصورة التي ليس فيها اتفاق الكل جريا على طريقة الخاصّة .