ويمكن دفع الأول بحمل الأمة على علمائها مجازا بالنقل أو بالحذف ، وفيه تعسّف . والثاني بتخصيصهم بالموجودين في عصر واحد وقد ارتكبوا الوجهين في لفظ الرواية فيكون التعريف ناظرا إليه . والثالث بأنّ قيد الحيثيّة معتبرة في الأمة أو في القيد الأخير ، والمراد اتفاقهم من حيث كونهم أمة أو على أمر دينيّ من حيث كونه أمرا دينيّا ، ولا يخفى أنّ التعويل في الحد على مثل هذا الإشعار ليس على ما ينبغي .
وعرّفه الفخر الرازي بأنه اتفاق أهل الحلّ والعقد من أمة محمّد صلّى اللّه عليه وآله على أمر من الأمور ، والمراد بأهل الحلّ والعقد على ما نبّه عليه غير واحد منهم المجتهدون واحترز به عن اتفاق العوام ، فإنه لا يعتبر في الإجماع لا منفردا ولا منضما ، وقوله على أمر من الأمور قيد توضيحي لأن الاتفاق لا يعقل إلا عليه وكان الغرض منه التنبيه على أنه لا يختص بأمر معين ، ويرد عليه مضافا إلى ما مرّ في الإشكال الثاني على الغزالي أن أمرا من الأمور يعمّ الشرعيات وغيرها بل يتناول غير الأحكام أيضا كالأكل والشرب ، ولا يسمّى اتفاقهم عليه إجماعا ، ويمكن دفعه باعتبار قيد الحيثيّة في القيد الأول فيكون المراد اتفاق أهل الحلّ والعقد من حيث كونهم أهل الحلّ والعقد ، ولا ريب في أن اتفاقهم على غير الأحكام الشرعيّة ليس بهذا الاعتبار .
وعرّفه الحاجبي بأنه اجتماع المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر ، ونبّه بقوله في عصر على أن اجتماع السّلف والخلف غير معتبر في كون الاتفاق إجماعا ، والكلام في سائر القيود واضح مما مرّ ، ويشكل عليه بأنّ المفهوم من الأمر في الحد ليس إلا معنى الشأن دون ما يقابل النهي لوضوح عدم استقامة العكس على تقديره فيرد على طرده ما مر في الإشكال المتأخر ، ويمكن التفصّي عنه بما مر لكنه قد التزم بدخول اتفاقهم على أمر دنيوي في الإجماع ، واعترض على الغزالي في أخذه قيد الدين ، ويردّ بأن الأمر الدنيوي إن تعلق به عمل أو اعتقاد فهو ديني وإلّا فلا يتصوّر حجيّة فيه .
وأمّا أصحابنا رحمهم اللّه فقد أوردوا له أيضا حدودا فعرفه العلامة بما ذكره الفخر الرازي وقد سبق ، ويشكل مضافا إلى ما مرّ بأنهم عرفوا أهل الحل والعقد بالمجتهدين ، فلا تناول المعصوم على مذهب الإمامية مع أن حجيته عنده من جهة دخوله فيهم ، اللهمّ إلا أن يريد به مطلق أحكام الشرع ولم أجد من يفسره بهذا المعنى ، لكنه أوفق بمعناه الأصلي وأيضا يصدق الحد المذكور على الاتفاق الذي يعرف فيه قول المعصوم بشخصه مع أنه لا يسمّى عندنا إجماعا ، وأيضا إن أراد بأهل الحلّ والعقد الجميع كما هو الظاهر لم ينعكس لخروج ما لو اتفق ما دون الجمع وعلم بدخول المعصوم فيهم فإن
إجماعات فقهاء الإمامية — صفحة 191
مساهمون: السيد أحمد الموسوي الروضاتي
ص١٩١