هل هناك نكتة لتحفّظ المولى على المقدّمات المفوّتة لغرضه ، أو لا ؟ فإن وجدت نكتة لذلك ، انحلّت المشكلة من أساسها ، وإلّا فلا مبرّر للزوم اهتمام العبد بالمقدّمات المفوّتة ، فهذا الوجه أيضاً لا يمسّ روح المشكلة .
فتحصّل : أنّ هذه الوجوه الخمسة بعضها لا يمسّ روح المشكلة أصلًا ، وهو الجواب بالشرط المتأخّر ، وبحكم العقل بلزوم التحفّظ على الملاكات الاستقباليّة للمولى ، وبعضها يمسّ روح المشكلة ، لكنّه ليس جواباً وافياً بحلّها ، وهو الجواب بالواجب المعلّق وبإيجاب سدّ بعض أبواب العدم ، وبدعوى : أنّ الخطاب مقيّد بطلوع الفجر ، ولكنّ الإرادة فعليّة قبله ، فهذه الوجوه الثلاثة - كما عرفت - ترجع إلى نكتة مشتركة ، وهي كون القيد الاستقباليّ قيداً للترتّب ، لا الاتّصاف ، وكون إرادة ذي المقدّمة فعليّة من أوّل الأمر ، فهذا يبرّر - لا محالة - اهتمام المولى تكويناً بالمقدّمات المفوّتة لغرضه ؛ إذ يفرض : أنّ غرضه فعليّ الآن ، فهذا يمسّ أصل المشكلة ، لكن ليس جواباً وافياً ؛ إذ نرى وجداناً في الأغراض العقلائيّة أنّه كثيراً ما يكون القيد الاستقباليّ قيداً للاتّصاف ، ومع ذلك يهتمّ العاقل في ذلك بالمقدّمات المفوّتة لغرضه .
وهناك مسلكان كلّ منهما يمسّ روح المشكلة ، ويفي أيضاً بحلّ الإشكال لو صحّ المسلك في نفسه ، إلّاأ نّه في نفسه غير صحيح :
أحدهما : المسلك الذي نسب إلى الشيخ الأعظم رحمه الله في الواجب المشروط من :
أنّ قيود الاتّصاف دائماً تكون قيداً في المراد دون الإرادة .
فعلى هذا المسلك تكون الإرادة فعليّة من أوّل الأمر دائماً ، فمن الطبيعيّ تحرّك المولى تكويناً نحو المقدّمات المفوّتة ، ومن الطبيعيّ حينئذٍ وجوبها على العبد شرعاً ، وتحرّك العبد نحوها ، إلّاأنّ هذا المسلك باطل على ما برهنّا عليه في بحث الواجب المشروط .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 419
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٩