وثانيهما : مسلك المحقّق العراقيّ رحمه الله الذي يقول : إنّ قيد الاتّصاف قيد للإرادة ، ولكن بوجوده اللحاظيّ والتصوّريّ الثابت من أوّل الأمر .
فهذا المسلك يعني : أنّ إرادة شرب الماء مثلًا فعليّة قبل العطش ؛ لأنّها دائرة مدار تصوّر العطش ، إذن فلا بأس بتحريكها نحو المقدّمات المفوّتة للغرض التكوينيّ .
وهذا البيان تارةً نطبّقه على عالم الجعل والإيجاب ، كما صنعناه حينما كنّا نتكلّم وفق منهج الأصحاب ، فنقول : إنّ الوجوب مقيّد بلحاظ القيد وتصوّره ، فوجوده فعليّ ، إلّاأنّ الموجود هو الوجوب التقديريّ .
وقد مضى أنّ هذا لو تمّ ، لا يحلّ المشكلة في المقام ؛ وذلك لأنّ الوجوب تقديريّ قبل تحقّق الشرط خارجاً كتقديريّة الجزاء في القضايا الشرطيّة المشرّعة على نهج القضيّة الحقيقيّة ، ويبقى تقديريّاً حتّى بعد وجود الشرط خارجاً ، خلافاً للجزاء في القضايا الشرطيّة التكوينيّة الذي يصير فعليّاً عند تحقّق شرطه ؛ وذلك لأ نّنا لم نقبل وجود عالمين للحكم الشرعي : عالم التقدير ، وعالم الفعليّة ، فإذن الذي يتوقّف على تحقّق الشرط خارجاً ، ويقابل فعليّة الجزاء في القضايا التكوينيّة إنّما هو فاعليّة الجزاء لا فعليّته ، وإذا كانت فاعليّته متوقّفة على تحقّق الشرط ، فوجوب المقدّمات المفوّتة الذي هو أيضاً مشروط - لا محالة - بالشرط المتأخّر الذي اشترط به وجوب ذي المقدّمة ليست له فاعليّة ، إلّاعند تحقّق الشرط خارجاً ، فلم تنحلّ المشكلة .
أمّا هنا ، فنحن نتكلّم في نفس إرادة المولى التكوينيّة ، والإرادة يختلف حالها عن الوجوب ، ففي الوجوب يمكن افتراض : أنّ المولى يوجد وجوباً تقديريّاً بحيث يكون الموجود بالوجود الفعليّ هو الوجوب التقديريّ ، لا الفعليّ . وأمّا الإرادة ، فلا يعقل فيها وجود إرادة تقديريّة ، بأن يكون وجودها فعليّاً ونفس
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 420
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٢٠