وبتعبير أدقّ نقول : إنّ الاعتبار النفسانيّ صفة من الصفات النفسانيّة ذات الإضافة ، كالحبّ والبغض والعلم ، والإضافة في هذه الصفات داخلة في حاقّ ذاتها ، وليست عارضة عليها من قبيل عروض البياض على الجسم ، ولذا ترى أنّ الجسم يمكن تصوّره في مرتبة ذاته بغضّ النظر عن أيّ لون من الألوان ، بينما هذه الصفات لا يمكن تصوّرها في أيّ مرتبة من المراتب بغضّ النظر عن إضافتها ، والإضافة متقوّمة بالمضاف إليه ، إذن فالاعتبار والجعل في أفقه متقوّم بالمضاف إليه ، فالمجعول الحقيقيّ موجود بنفس وجود الجعل في أفق نفس الجاعل ، والمعتبر الحقيقيّ موجود بنفس وجود الاعتبار في أفق نفس المعتبر ، كما أنّ المعلوم الحقيقيّ ، أو المحبوب ، أو المبغوض الحقيقيّ موجود بنفس وجود العلم ، أو الحبّ ، أو البغض في نفس صاحبه ، وهذا هو المسمّى بالمعلوم بالذات ، والمحبوب بالذات ، والمبغوض بالذات وهكذا ، فإن فرض : أنّ المجعول الذي يوجد ويصبح فعليّاً عند تحقّق الشرط هو مجعول بالذات للجعل قد انفصل عنه ، فهذا غير معقول ، وإن فرض : أنّه المجعول بالعرض ، إذن فلو كان أمراً حقيقيّاً فلابدّ من افتراض سببيّة للجعل بالنسبة إليه ، وهذا معناه الانتقال إلى الفرض الثاني .
وإن فرض : أنّ نسبته إليه نسبة المسبّب إلى السبب ، لكن الجعل ليس سبباً كافياً له ، بل هو مع حدوث الشرط خارجاً سبب كافٍ لتحقّق المجعول وفعليّته ، فهذا أيضاً غير صحيح ؛ لأنّ هذا المسبّب : إمّا أن يدّعى كونه موجوداً خارجيّاً ، أو يدّعى كونه موجوداً نفسيّاً في نفس المولى ، وكلاهما باطل .
أمّا الأوّل ، فلوضوح : أنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الموجودات الخارجيّة ، وأمّا الثاني ، فلأ نّه لا يعقل وجود شيء في نفس الجاعل تبعاً لوجود الشرط خارجاً وهو الاستطاعة مثلًا ، بحيث سواء علم المولى بتحقّق هذا الشرط أو لا سيكون نفس تحقّقه خارجاً موجباً لوجود الجزاء في نفسه بالفعل .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 388
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٨٨