تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
يحضر التصديق بوجوده لديه ، وهذه الإرادة يستحيل أن تكون موجودة قبل ذلك ؛ لما قلنا : من أنّ الشوق إلى شيء إنّما يحصل عند ملائمة قوّة من قواه إلى ذلك الشيء ، والإحساس بالحاجة إليه . الثانية : إرادة مطلقة وفعليّة قبل وجود الشرط ، أو التصديق به ، وهذه الإرادة غير متعلّقة بنفس ذلك الفعل كشرب الماء . وأظنّ أنّ إحساسهم الوجدانيّ إلى أنّ هناك شيئاً ما قبل وجود الشرط ، وعدم التفاتهم إلى إرادة أخرى غير إرادة شرب الماء جعلهم يتخيّلون أنّ تلك الإرادة فعليّة ، بينما الإرادة الفعليّة إنّما تعلّقت بعدم تحقّق المجموع من شرط الوجوب وعدم الواجب ، أي : العطش وعدم شرب الماء ، فهذا الاجتماع مبغوض لديه بالفعل ؛ لمنافرته لقواه ، والمنافرة فعليّة ، فينقدح في نفسه شوق فعليّ نحو أن لا يقع هذا المجموع المركّب ، وهذه الإرادة الفعليّة غير إرادة شرب الماء ، ولا تبعث نحو شرب الماء ، وإنّما تبعث نحو أن لا يعطش عطشاً لا يشرب معه الماء ، ولذا لو علم أنّه لو صعد على السطح عطش عطشاً لا يمكنه شرب الماء معه ، كان ذلك داعياً له لعدم الصعود ، في حين أنّ إرادة شرب الماء لا دور لها في عدم الصعود ، فإنّها إنّما تبعث نحو الشرب عند العطش ، فلولا هذه الإرادة الأخرى التي بيّنّاها فما الذي يدعوه ويبعثه نحو عدم الصعود ؟ ! وبنظرة أكثر تحليليّة يمكن أن يقال : إنّ إرادة الشرب - في الحقيقة - تطوّر للإرادة المطلقة ، وهي إرادة عدم المجموع ، أو قل : إرادة الجامع بين الشرب وعدم العطش ، فإنّ إرادة هذا الجامع يمكن إشباعها : إمّا بأن لا يحدث عطش ، أو يحدث ويشرب الماء ، فهي ذات اقتضاء تخييريّ أوّلًا ، وبعد أن تحقّق العطش اقتضت شرب الماء ، فتحوّلت عن إرادة تخييريّة إلى إرادة تعيينيّة لا يمكن إشباعها إلّا بالماء ؛ لفرض فعليّة العطش . وبانكشاف الإرادتين بهذا الشكل ينحلّ الإشكال الذي جعله أصحاب النظريّة