العطش من المرتوي لا يحدث في نفسه شوقاً إلى الماء فعلًا ؛ لأنّ الشوق - بحسب تركيب الإنسان - إنّما ينشأ من ملائمة قوّة من قواه ، وحاجة من حاجاته النفسيّة لشيء يكمّله ، ويجبر نقصه الذي يحسّ به ، والمرتوي بالفعل لا يناسب قواه شرب الماء ، بل قد يكون مضرّاً بحاله ، والشوق فرع الملائمة حقيقة ، لا تصوّر الملائمة « 1 » .
النظريّة الثالثة : نظريّة المحقّق النائينيّ رحمه الله ، وهي : أنّ وجود الإرادة المشروطة كالمطلقة فعليّ من أوّل الأمر ، كما هو الحال على النظريّتين السابقتين ، إلّاأنّ وجود الإرادة المشروطة عبارة عن وجود إرادة معلّقة ، بينما وجود الإرادة
هامش
( 1 ) وبكلمة أخرى : هل يقصد المحقّق العراقيّ رحمه الله دخل مجرّد الوجود اللحاظيّ التصوّريّ للمرض مثلًا في الشوق إلى ذات شرب الدواء ، فبمجرّده يصبح الشوق إلى الدواء فعليّاً ، ولكن فاعليّته بتحريكه نحو الشرب تتأخّر لحين التصديق بالمرض ، أو يقصد دخل مجرّد الوجود اللحاظيّ التصوّريّ للمرض في الشوق ، لا إلى ذات شرب الدواء ، بل إلى شربه على تقدير المرض ، أو يقصد دخل الوجود اللحاظيّ التصديقيّ للمرض بالعلم الحصوليّ أو الحضوريّ في الشوق إلى شرب الدواء ؟
فإن قصد الأوّل ، فهو خلاف الوجدان القاضي بأنّ مجرّد لحاظ الشرط تصوّراً كالمرض أو العطش لا يخلق الشوق إلى الجزاء من شرب الدواء أو الماء ، وأنّ التفكيك بين فعليّة الشوق وفاعليّته مع القدرة على تحصيل المشتاق إليه أمر غير معقول .
وإن قصد الثاني ، رجع إلى إرجاع القيد إلى المراد الذي فرغنا وفرغ هو عن بطلانه .
وإن قصد الثالث كما هو المفهوم من نهاية الأفكار ، بل والمقالات ، كان هذا المقدار من البيان عاجزاً عن تفسير الوجدان الحاكم بالفرق النفسيّ بين من لم يتمرّض ويعلم أنّه لا يتمرّض أبداً ، أو يحتمل ذلك ، ولكنّه بانٍ على شرب الدواء لو تمرّض ، ومن لم يتمرّض ويعلم أنّه لا يتمرّض ، أو يحتمل ذلك ، ولكنّه بانٍ على عدم شرب الدواء حتّى على تقدير المرض ، أو غير بانٍ على أحد الطرفين