تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
الصوم حُسناً أدركه المولى ، والحسن من أمور القسم الثالث ، فبالإمكان استناده إلى أمر من أمور القسم الثالث ، وهو القبليّة ، فيفرض : أنّ حسن الصوم مشروط بكونه واقعاً قبل الغسل ، والقبليّة تنشأ من مقايسة العقل بين الصوم والغسل التي هي حاضرة دائماً لدى العقل ، وثابتة بالفعل ، فيصبح الشرط مقارناً في الحقيقة . والصحيح : أنّ الشرط المتأخّر في باب المصالح والمفاسد أيضاً معقول ، ولا يختصّ بأحكام المولى تعالى ، بل يوجد أيضاً في أحكام أشخاص لا يهتمّون بالحسن والقبح أصلًا ، فالطبيب مثلًا يأمر المريض بشرب الدواء الفلانيّ ، ويقول له : إنّ شرط تأثيره أن تمشي بعد ذلك ، أو تمتنع عن الطعام بعد ذلك أو نحو ذلك ، ونحن بعد أن نفترض الموافقة على الأصول الموضوعيّة لكلام المحقّق الخراسانيّ رحمه الله ، أو الأصول الموضوعيّة التي افترضناها لكلامه ، فغاية ما ينتج ذلك حلّ الإشكال في الأحكام القائمة على أساس الحسن والقبح ، وهذا لا يكفي في حل إشكال الشرط المتأخّر كظاهرة معاشة في كثير من الأحكام التي لا ريب في قيامها على أساس المصالح والمفاسد . والتحقيق : أنّ الإشكال يمكن حلّه في الأحكام القائمة على أساس المصالح والمفاسد ؛ وذلك لأنّ الإشكال نشأ من افتراض : أنّ المأمور به هو المقتضي للمصلحة المتوخّاة ، وهي صحّة المزاج مثلًا في مثال المريض الذي يؤمر بشرب الدواء ، وأنّ الشيء المتأخّر هو الشرط في تحقّق تلك المصلحة ، فيقال : لو فرض تحقّق المصلحة حين المقتضي ، لزم تأثير المتأخّر في المتقدم ، ولو فرض تحقّقها حين الشرط ، لزم تأثير المقتضي بعد انقضائه ، وكلاهما محال ، في حين أنّ هنا فرضاً آخر به ينحلّ الإشكال ، وهو افتراض : أنّ ما فرض مقتضياً للمصلحة المتوخّاة ليس مقتضياً لذلك بالمباشرة ، بل هو يوجد أثراً معيّناً ، تلك هي الحلقة المفقودة بين هذا المأمور به والمصلحة المتوخّاة ، وذلك الأثر يبقى إلى زمان