وهذا القسم هو الذي نحن سمّيناه في مبحث المعنى الحرفيّ بموجودات لوح الواقع في مقابل القسم الثاني الذي هو من موجودات لوح الاعتبار ، والقسم الأوّل الذي هو من موجودات لوح الخارج ، ولكنّنا هنا لا نريد أن ندخل في بيان ذلك الذي نحن نتبنّاه ، فإنّ المقصود من ذكر هذا الحديث إنّما هو الاستطراق إلى بيان مرام صاحب الكفاية في مقام الجواب على إشكال الشرط المتأخّر للواجب .
الثاني : أنّ ملاكات الأحكام كما قد تكون هي المصالح والمفاسد كذلك قد تكون هي الحسن والقبح ، وباب الحسن والقبح غير باب المصلحة والمفسدة ، ولذا قد يحسن ما فيه أشدّ المفاسد ، أو يقبح ما فيه أشدّ المصالح ، فالتجرّي قبيح في حين أنّه قد يتجرّى بترك قتل من تخيّله واجب القتل وكان في الواقع نبيّاً من الأنبياء ، والانقياد حسن في حين أنّه قد ينقاد بقتل من تخيّله واجب القتل وهو في الواقع نبيّ من الأنبياء ، والمصالح والمفاسد أمور واقعيّة خارجيّة من قبيل صحّة المزاج ، وقوّة النفس ، وشدّة الصبر ، وكمال الإيمان ونحو ذلك ، وأمّا الحسن والقبح فهو من القسم الثالث ، أعني : الاعتباريّات الواقعيّة ، فالعقل هو الذي ينتزع الحسن والقبح ، ويعتبرهما ، لكن لا من قبيل اعتبار بحر من زئبق الذي للعقل أن يتحكّم فيه كما يشاء ، بل من قبيل القبليّة والبعديّة ، فهو يرى التجرّي قبيحاً ، والانقياد حسناً شاء أم أبى .
إذا عرفت ذلك قلنا : كأنّ صاحب الكفاية رحمه الله يقول - وإن كان في عبارته لفّ ودوران - : إنّه لو كان ملاك الصوم عبارة عن المصلحة ، استحكم الإشكال ؛ لأنّ المصلحة أمر واقعيّ ومن القسم الأوّل ، ويستحيل أن يستند إلى شيء من القسم الثالث فضلًا عن القسم الثاني ، فإذا كان الغسل شرطاً في المصلحة ، فمعنى ذلك كون المصلحة مستندة إلى نفس الغسل الذي هو أيضاً من القسم الأوّل ، وهذا معناه : تأثير المتأخّر في المتقدّم ، وهو محال ، ولكن بالإمكان افتراض كون ملاك
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 360
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٦٠