الأوّل : أنّ الأشياء على ثلاثة أقسام :
1 - أشياء واقعيّة خارجاً كالماء والهواء ونحو ذلك ، وهي الأشياء الموجودة خارجاً بغضّ النظر عن اعتبار أيّ معتبر ، وليس للعقل أيّ تحكّم فيها إيجاداً أو إعداماً .
2 - أشياء اعتباريّة صرفة ، ليس لها وجود إلّابنفس الاعتبار ، ودور العقل بالنسبة إليه دور المتحكّم فيه بما يشاء من إيجاد أو إعدام ، من قبيل اعتبار العقل بحراً من زئبق ، أو جبلًا من ذهب ، فالعقل يرى دوره بالنسبة لهذه الأشياء دور الفاعل ، لا دور المنفعل والقابل ، فهذه هي الاعتبارات المحضة في مقابل الأمور الواقعيّة الخارجيّة .
3 - ما يسمّيه الحكماء بالاعتباريات الواقعيّة ، وهي أمر بين الأمرين ، فمن ناحية ليست هي من الموجودات الحقيقيّة خارجاً ، وإنّما العقل يعتبرها ، ومن ناحية أخرى ليس للعقل أن يتحكّم فيها كيف ما يشاء ، بل يرى نفسه مرغماً على التصديق بأمر معيّن شاء أو أبى ، وذلك من قبيل الإضافات ، من قبيل قولنا : « إنّ المسيح عليه السلام قبل نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله » ، أو قولنا : « إنّ السماء فوقنا والأرض تحتنا » ، فالقبليّة والبعديّة والفوقيّة والتحتيّة والاقتران ونحو ذلك ليست من الأمور الخارجيّة الحقيقيّة ، وإلّا لكان لها أيضاً قبليّة أو بعديّة أو تقارن ونحو ذلك إلى أن يتسلسل ، وإنّما هي أمور ينتزعها العقل عند المقارنة بين نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله والمسيح عليه السلام ، أو بيننا وبين السماء ونحو ذلك ، ولكن في نفس الوقت يرى العقل نفسه مرغماً على انتزاع هذه الأمور عند مقارنته بين الأشياء ، فالمسيح عليه السلام هو الذي يكون قبل محمد صلى الله عليه وآله دون العكس ، شاء العقل أم أبى ، فكأ نّما العقل يرى دوره دور القابل والمنفعل بشيء ثابت خارج دوره ، بينما القبليّة والبعديّة شيء ينتزعه العقل ، وليس له وجود خارجاً ؛ لما عرفت من برهان لزوم التسلسل .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 359
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٥٩