بين الوالد وولده فهذا الدليل لا يدلّ على انتفاء الربا - وهو الموضوع - حتّى ينتفي الحكم والمحمول ، وفي ما نحن فيه لو سلّمت كلّ هذه الدلالات ، فغايته النهي عن إيقاع النفس في الاضطرار ، أمّا لو أوقع نفسه في الاضطرار ، أو وقع قهراً في الاضطرار ، فدليل الحكم الواقعيّ الاختياريّ لم ينفِ تحقّق هذا الاضطرار حتّى يكون حاكماً على دليل الحكم الاضطراريّ ومقدّماً عليه .
التقريب الثالث : ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله : من أنّ دليل الأمر الاضطراريّ حينما يطلق يدلّ بإطلاقه على الوجوب التعيينيّ للصلاة الجلوسيّة مثلًا ، كما هو الحال في كلّ أمر ؛ فإنّه ظاهر بإطلاقه في التعيينيّة ، وتعيينيّة هذا الأمر ملازمة للإجزاء ؛ وذلك لأنّ المحتملات الثبوتيّة في العمل الاضطراريّ الذي امر به من حيث الوفاء بالغرض ثلاثة :
الاحتمال الأوّل : أن يكون وافياً بتمام الغرض ، فيوجب الإجزاء بملاك استيفاء الغرض ، ولكن هذا الاحتمال منفيّ بظهور الأمر في التعيين ؛ إذ لو كان العمل الاضطراريّ وافياً بتمام الملاك ، إذن لكان الملاك في الجامع بين أن يأتي بالفعل الاختياريّ بعد زوال عذره ، وأن يأتي بالفعل الاضطراريّ حين العذر ، فلابدّ من الأمر بالجامع بينهما ، ولا مبرّر للأمر التعيينيّ بخصوص الفعل الاضطراريّ .
الاحتمال الثاني : أن يكون وافياً ببعض الغرض لا بتمام الغرض ، وأن يمكن استيفاء باقي الغرض بالإتيان بالفعل الاختياريّ بعد زوال العذر ، وهذا معناه : أنّ الغرض كأ نّما ينقسم إلى ملاكين : أحدهما موجود في الجامع بين الفعلين ، والآخر موجود في خصوص الحصّة الاختياريّة ، وهذا يوجب عدم الإجزاء ، لكن ظهور الأمر الاضطراريّ في التعيينيّة أيضاً ينفي هذا الاحتمال ؛ فإنّ الأمر بالحصّة الاضطراريّة إنّما هو لأجل الملاك المشترك بين الحصّتين ، بينما هذا يوجب الأمر التخييريّ بالجامع ، لا الأمر التعيينيّ بالحصّة الاضطراريّة ، ولا مبرّر للأمر التعيينيّ بالفعل الاضطراريّ .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 294
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٩٤