الآية عن نفس المسارعة المستفادة منها ، فإنّها ناظرة إلى غيرها ، وإلّا لوقع المحذور حتّى لو كان الأمر استحبابيّاً ؛ فإنّ المسارعة - على أيّ حال - تصبح خيراً لا يمكن تأجيله .
الوجه الرابع : أنّ هاتين الآيتين أجنبيّتان عمّا نحن فيه : أمّا آية الاستباق ، فلأنّ الاستباق ليس معناه الفور والمسارعة حتّى تدلّ على وجوب الفور ، وإنّما معناه :
التسابق بين الأفراد من قبيل :
« فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ »
« 1 » ، فيأمر بالمسابقة بين الأفراد في الخير والصلاح كمّاً وكيفاً وحجماً ، ومن جميع الجهات ، ومن الواضح :
أنّ الأمر بهذه المسابقة العامّة ليس إلّامجرّد تشويق وترغيب للمؤمنين إلى تكثير الخيرات وتقليل الآثام ، وليس إلزاماً شرعيّاً ، وإلّا لما أمكن امتثاله لكلّ الأفراد ، فمثلًا ماذا نصنع لو صلّوا جميعاً في أوّل الوقت ؟ !
وأمّا آية المسارعة ، فإن لم نستفد منها نفس ما استفدناه من الآية الأولى من التشويق والترغيب ، قلنا : إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية هي وجوب المسارعة إلى حطّ الذنوب ومحوها ، ولا بأس بالالتزام بوجوب ذلك بأن يقال : المذنب تجب عليه التوبة فوراً مع الإمكان ؛ حيث إنّ التوبة هي السبب المضمون الوصول إلى العفو بخلاف سائر الأسباب ، فإن لم يمكنه التوبة وجعل النفس تتّصف بالندامة ، وكان هناك شيء آخر ثبت بدليل أنّه يوجب المغفرة ، وجب الإسراع إليه بدلًا عن التوبة .
والخلاصة : أنّ غاية ما يستفاد من الآية الوجوب الفوريّ لتدارك الذنب السابق بالتوبة أو بدلها ، ولا بأس بذلك ، ولا يرتبط بما نحن فيه .
هامش
( 1 ) السورة 83 ، المطفّفين ، الآية : 26