وطبعاً مقصودنا باحتمال ارتكاز من هذا القبيل ليس مطلق الاحتمال العقليّ الناشئ من مثل « كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان » حتّى ينفتح من ذلك باب لإجمال الظهورات في موارد كثيرة جدّاً ، وإنّما المقصود الاحتمال العقلائيّ الناشئ من منشأ عقلائيّ يعتدّ به .
ومبنيّاً عليه نقول : إنّ صيغة الأمر وإن كانت بذاتها ظاهرة في الوجوب ، ولكن قد يحتمل فيها بمنشأ عقلائيّ أنّها كانت مكتنفة بارتكاز يمنع عن ظهورها في الوجوب سنخ اكتناف أمر المجتهد لأحدٍ اليومَ بصلاة الليل بارتكاز يمنع عن ظهورها في الوجوب ، ويوجب حملها على النصيحة والإرشاد ؛ لوضوح عدم معرضيّة صلاة الليل للافتاء بالوجوب ، وأهمّ هذه المناشئ هو أن يكون الاتّجاه العامّ في الفقه الشيعيّ للعلماء قديماً وحديثاً عدم القول بالوجوب ، فنرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بغضّ النظر عن مسألة الإجماع ؛ وذلك لأنّنا نحتمل أنّه كان في زمان الإمام عليه السلام ارتكاز عدم وجوب ذلك ووضوحه المتشرّعيّ بشكل كان يعدّ ذلك قرينة متّصلة على عدم الوجوب ، ولا يضرّ بهذا الاحتمال فرض خلاف شاذّ بين العلماء من قبل مثل ابن جنيد ، أو ابن أبي عقيل ، أو مثل الشيخ في أحد كتبه ونحو ذلك ، وإنّما المهمّ كون الاتّجاه العامّ في الفقه هو عدم الوجوب ، بينما لو وجد قول معتدّ به بين قدماء الأصحاب بالوجوب ، كان ذلك مانعاً عن احتمال ارتكاز من هذا القبيل عند أصحاب الأئمّة احتمالًا عقلائيّاً ؛ إذ يقال : لو كان الأمر كذلك ، كيف انقلب الحال في أوائل عصر الإفتاء من قبل العلماء إلى رأي معتدّ به يقول بالوجوب ؟ !
وبهذا نتخلّص من كثير من الأوامر الواردة في باب الصلاة والصوم والحجّ وغيرها الظاهرة بدواً في الوجوب بلا قرينة متّصلة أو منفصلة على الاستحباب أوجبت بلبلة عند الفقهاء ؛ لأنّهم لا يلتزمون بالوجوب ، فمن يقول بحجّيّة الشهرة ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 237
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣٧