تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ابتداءً ، لا بالملازمة كما في التقريبين الماضيين ، وذلك بأن يقال : إنّ النفسيّة والغيريّة خصوصيّتان في الوجوب ، إحداهما عدميّة والأخرى وجوديّة ، فالنفسيّة خصوصيّة عدميّة ؛ لأنّ النفسيّ هو الوجوب الذي لم ينشأ من وجوب آخر ، والغيريّة خصوصيّة وجوديّة ؛ لأنّ الغيريّ هو الوجوب الذي نشأ من وجوب آخر ، وكلّما دار الأمر في مدلول كلام المتكلّم بين أن يكون هذا المدلول متخصّصاً بخصوصيّة وجوديّة أو عدميّة تعيّن الثاني ، وكان عدم بيان الخصوصيّة الوجوديّة بياناً عرفاً للخصوصيّة العدميّة ، ولهذا كان عدم بيان التقييد في اسم الجنس كما في
« أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
مثلًا بياناً للإطلاق . أقول : إنّ الصحيح في الإطلاق في أسماء الأجناس - على ما حقّقناه في محلّه - : أنّ مقدّمات الحكمة ليست وظيفتها إثبات الإطلاق اللحاظيّ في مقابل التقييد اللحاظيّ ، بل وظيفتها إثبات الحكم للجامع بين المطلق والمقيّد المسمّى بالمطلق الذاتيّ ، فالأمر دائر بين الخصوصيّة واللاخصوصيّة ، لا بين خصوصيّة وجوديّة أو خصوصيّة عدميّة ، فلا يمكن جعل هذا قانوناً في بحث مقدّمات الحكمة . وعلى أيّ حال ، فكبرى تعيّن الخصوصيّة العدميّة في مقابل الوجوديّة متى ما دار الأمر بينهما ليست صحيحة على إطلاقها . نعم ، سوف نشير إلى أنّنا نقبل هذه الكبرى في الجملة ، لكن لا بهذا العنوان ، بل بعنوان آخر ، وسيأتي توضيح ذلك في التقريب الرابع . وأمّا تطبيق هذه الكبرى على المقام صغرويّاً ، فهو غير صحيح ؛ لأنّ النفسيّة والغيريّة كلتاهما خصوصيّتان وجوديّتان ، فالوجوب إن كان ناشئاً من ملاك في غيره ، فهذا ما لا يحكم العقل باستحقاق العقاب عليه مستقلّاً ، وهو معنى الغيريّة ، وإن كان ناشئاً من ملاك في نفسه ، فهذا ما يحكم العقل باستحقاق العقاب عليه مستقلّاً ، وهو معنى النفسيّة ، فالنفسيّة أيضاً خصوصيّة وجوديّة لا عدميّة ، فإنّها متقوّمة بكون وجوب الشيء ناشئاً من ملاك في نفسه الذي هو أمر وجوديّ .