الكاشف العرفيّ عبارة عن التقييد حينما يمكنه التقييد ، وإلّا فلعلّه لم يقيّد من باب أنّه لم يتمكّن من ذلك ، فليس كاشفاً عن الإطلاق .
وهذا البيان - بحسب الحقيقة - مبنيّ على أن يفرض : أنّ الدالّ عرفاً على الإطلاق إنّما هو عدم بيان التقييد مع إمكان بيانه . وأمّا لو قلنا : إنّ الدالّ عرفاً على الإطلاق عدم بيان ما يخالف الإطلاق ولو كان هو الإهمال الذي هو في قوّة التقييد بناءً على مبنى هذا الاعتراض ، فالكاشف عن الإطلاق موجود ، فإنّه وإن لم يكن يمكنه نصب القرينة على التقييد ، ولكن كان يمكنه نصب القرينة على الإهمال ولم ينصب « 1 » .
وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه : أنّه على مسلك المشهور لا يتمّ الإطلاق اللفظيّ « 2 » .
هامش
( 1 ) فمبنيّاً على ذلك لا يتمّ هذا الاعتراض ، ولكن الاعتراض الثاني قد عرفت تماميّته .
هذا بناءً على التسليم بوجود عالم وسط بين عالم الغرض وعالم البيان اسمه عالم الجعل . وأمّا إذا أنكرنا ذلك ، وقلنا : إنّ عالم البيان يكشف رأساً عن عالم الغرض ، ففي عالم الغرض لا يتصوّر الإهمال ، وينحصر الأمر في الإطلاق والتقييد ، ولا يبقى موضوع للاعتراض الثاني ، ولكن يتسجّل الاعتراض الثالث بلا إشكال ، وهو : أنّ عدم التقييد عند عدم إمكانه لا يدلّ عرفاً على إطلاق الغرض
( 2 ) لا يخفى : أنّه قد يقال بناءً على مسلك متمّم الجعل بتماميّة الإطلاق اللفظيّ ، بدعوى : أنّ متمّم الجعل يبيّن عرفاً بلسان التقييد بقصد القربة . إلّاأنّ هذا لا يتمّ على مسلكهم ؛ إذ لا يقولون : إنّ البيان العرفيّ لمتمّم الجعل هو لسان التقييد ، فصحّ أن يقال : إنّه على مسلك القائلين بعدم إمكان تقييد الجعل الأوّل لا يمكن إثبات التوصّليّة بالإطلاق حتّى عند القائل بمتمّم الجعل ؛ لأنّ إطلاق الجعل الأوّل لا يعني عدم التقييد بقصد القربة بالجعل الثاني .
نعم ، على النكتة التي مضت الإشارة إليها منه رحمه الله : من كون لسان التقييد بياناً عرفيّاً للقربيّة يتمّ التمسّك بالإطلاق .
هذا ، وأمّا لو تصوّرنا تعدّد الجعل بالنحو الذي ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله : من فرض تعدّد المجعول ووحدة الجعل ، فهذا إنّما يعقل لو تصوّرنا الجامع بين الواجبين والموضوعين ، وحينئذٍ إن كان العنوان المأخوذ في لسان الدليل هو الجامع بين الفعل وقصد القربة ، فأوجب المولى ذلك الجامع بنحو مطلق الوجود ، إذن فثبتت العباديّة لا التوصّليّة ، وإن كان العنوان المأخوذ فيه هو الفعل ، أعني : ذات الصلاة مثلًا فقط ، فهنا تثبت التوصّليّة لا بالإطلاق ، بل بأصالة التطابق بين العنوان المأخوذ في عالم الإثبات والعنوان المأخوذ في عالم الثبوت .
إلّا أنّ هذا المقدار إنّما يكفي لنفي التعبّديّة لو كان شكل العباديّة منحصراً فيما يقترحه المحقّق العراقيّ رحمه الله : من فرض تعدّد المجعول ووحدة الجعل ، بينما هو لا يدّعي الانحصار ، وإنّما يدّعي إمكان هذه الصورة