بحمل الأمر على طبيعيّ الأمر ، فنبقى نحن وباقي البراهين ، وهي تنتج استحالة مقيّدة :
أمّا البرهان الأوّل ، فكان حاصله : أنّه يلزم أخذ نفس الأمر - على حدّ تعبير المحقّق النائينيّ رحمه الله - أو أخذ وصوله - على حدّ تعبيرنا - في موضوع الأمر ، وإنّما كان يلزم ذلك لئلّا يلزم التكليف بغير المقدور ، فكان يقال مثلًا : إنّ الأمر من قبيل القبلة ، فكما أنّ القبلة أمر غير اختياريّ لابدّ من فرضه مفروض الوجود في الموضوع كذلك الأمر ، فببرهان استحالة التكليف بغير المقدور لابدّ من تقييد الأمر ، ومن الواضح : أنّ هذا إنّما يأتي في حقّ مولىً التفت إلى هذه النكتة كالشارع الذي لا تخفى عليه خافية ، أو كالاصوليّ الدقيق الملتفت إلى هذه النكات ، وأمّا إذا كان المولى من قبيل العلماء الذين لم يلتفتوا إلى ذلك فضلًا عن الإنسان العرفيّ العاديّ ، فلا يستحيل صدور الأمر منه بالعمل القربيّ بقيد القربة من دون أخذ الأمر أو وصوله في موضوع الحكم ؛ إذ لا يدري أنّ هذا تكليف بغير المقدور .
وأمّا البرهان الثالث والرابع ، فأيضاً حالهما حال البرهان الأوّل ؛ إذ قد وضّحنا فيهما : أنّ الأمر المتعلّق بقصد القربة يستحيل محرّكيّته ، فكلّ مولىً التفت إلى ذلك استحال منه جعل هذا الأمر ، أمّا من خُيّل له بسذاجيّته العرفيّة أنّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد القربة حاله حال الأمر الضمنيّ المتعلّق بالركوع والسجود يكون محرّكاً ، فيعقل صدور الأمر منه بداعي التحريك وإن كان العبد خارجاً لا يتحرّك إلّا من الأمر الضمنيّ الآخر ، وهو الأمر بأصل الفعل دون الأمر بقصد الأمر .
إذن ، فهذه التقريبات كلّها تنتج الاستحالة في حقّ الملتفت إلى هذه النكات ، فصحّ أن نقول : إنّ أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر ثبوتاً معقول من الإنسان العرفيّ وإن كان غير معقول من الاصوليّ الدقيق والشارع ، وهذا يؤكّد أنّ المولى الدقيق وإن كان يعرف دقّةً أنّ الصحيح هو التجدّد لا التقييد ، ولكن من حقّه إثباتاً أن يتكلّم بلسان التقييد ؛ حيث إنّ المولى العرفيّ في مقام البيان يتابع العرف .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 198
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٨