والتقييد متباينان ثبوتاً ، والثاني مستحيل ، والأوّل ممكن ، بل واقع ، وهو الفارق الثبوتيّ بين الأمر التعبّديّ والأمر التوصّليّ بالنحو الذي عرفت ، ولكن بحسب مقام الإثبات هناك تعبير واحد يصلح أن يكون بياناً لكلّ من هذين المطلبين الثبوتيّين اللذين أحدهما مستحيل وهو التقييد ، والآخر ممكن وهو التجدّد ، وحيث إنّ التقييد الإثباتيّ بيان عرفيّ للتجدّد ، كفى ذلك في الوصول إلى ما هو المهمّ من هذا البحث من نفي القربيّة بالإطلاق ، كما سوف يأتي حينما ندخل في صلب البحث .
والمتحصّل من كلّ ما ذكرناه : أنّ الأمر التعبّديّ من زاوية عالم الثبوت والحقيقة عبارة عن الأمر المتجدّد بالتفصيل الذي عرفت ، ومن زاوية عالم الإثبات عبارة عن الأمر المتقيّد بقصد القربة . هذا .
وبالإمكان أن يقال : إنّ التقييد الثبوتيّ بقصد القربة الذي قلنا : إنّه محال ليس محالًا على الإطلاق ومن كلّ آمر ، بل هو محال استحالة مقيّدة . وتوضيح ذلك : أنّ بعض المحالات مستحيل من أيّ فاعل كالجمع بين الضدّين ، فإنّه مستحيل من أيّ فاعل ذكيّاً كان أو بليداً ، مطّلعاً على بعض الأمور أو لا ، وهناك بعض استحالات تختصّ ببعض الأشخاص ، مثلًا العبد المشلول يستحيل توجّه الأمر إليه من قبل المولى الذي يعرف أنّه مشلول ، ولكن لا يستحيل من مولىً يتخيّل أنّه في تمام الصحّة والسلامة .
فهل الاستحالة فيما نحن فيه استحالة مطلقة ، أو مقيّدة ؟
لابدّ أن ننظر إلى براهين هذه الاستحالة لكي نعرف أنّها مطلقة أو مقيّدة ، فنقول :
قد مضى منّا اختيار براهين أربعة لإثبات استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر ، والبرهان الثاني وهو لزوم التهافت في اللحاظ ينتج استحالة مطلقة ، فإنّ التهافت في اللحاظ مستحيل من أيّ شخص كان ، وأمّا إذا تخلّصنا من هذا البرهان ولو
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 197
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٧