القربيّة ، فإن حصلت سقط الأمر لا إلى بدل ، وإن أتى بحصّة أخرى كرّر المولى الأمر ، وهكذا .
وبكلمة أخرى : إنّ ما نحن فيه شبيه بما لو فرض : أنّ الأب أمر ابنه الصغير بشيء سهل لا غرض للمولى فيه بداعي أن يعوّده على التحرّك بأوامر أبيه حتّى يستطيع بعد ذلك حمله على الأمور الشاقّة المفيدة مثلًا ، فهو يأمره بذلك الشيء وينتظر ليرى : أنّه هل يأتي به بمحرّكيّة الأمر ، أو لا ، فإن أتى الابن به بمحرّكيّة الأمر ، فقد حصل المطلوب ، وكان ذلك نوع ترويض للابن ، ولو اتّفق صدفةً : أنّ الابن أتى بذلك الشيء بداعٍ آخر غير أمر الأب ، اضطرّ الأب إلى أن يأمره مرّة ثانية ، وهكذا إلى أن يرى ابنه قد تحرّك بأمره .
والمولى لو كان مع العبد في الأوامر الشخصيّة ، وتعلّق غرضه بالعمل العباديّ ، أمكنه أن يصل إلى مطلوبه عن طريق أن يأمره بذات العمل ويصبر ، فإن أتى صدفةً بالعمل بداعٍ غير قربيّ ، يأمره مرّةً أخرى ، وهكذا إلى أن يصل إلى مطلوبه ، ولكن في الأوامر الكلّيّة المجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة لا يمكن ذلك ؛ إذ ليس المولى يمشي مع العبد حتّى يأمره كلّ حين حينما يراه أتى بالعمل لا بقصد القربة ، فطريق وصوله إلى المطلوب هو أن يأمره أمراً كلّيّاً ، وينصب قرينة عامّة على أنّ هذا الأمر له توجّهات عديدة متى ما أتى العبد بالفعل لا بقصد القربة ، فيعرف العبد أنّه لو أتى بالفعل لا بقصد القربة كان للأمر توجّه آخر إليه ، وهكذا ، فلا يستطيع أن يخرج من عهدة هذا الأمر إلّابأن يأتي بالعمل بقصد القربة بالرغم من أنّه تعلّق بذات الفعل ؛ وذلك لأنّه يتجدّد متى ما أتى بمتعلّقه بلا قصد القربة ، فهذا يعطي نفس نتيجة ما لو كان الأمر متعلّقاً بالفعل المقيّد بقصد القربة ، ولهذا يصحّ عرفاً أن تبيّن هذه القرينة العامّة بلسان تقييد متعلّق الأمر ، فيقال : « صلِّ بقصد القربة » ، فهذا تقييد بحسب مقام الإثبات كاشف عن تجدّد الأمر بحسب مقام الثبوت لا تقيّده ، فالتجدّد
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 196
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٦