تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
التقيّة أمر خارجيّ تكوينيّ لا فعل من أفعال المكلّف حتّى يعقل كونه عدلًا لما هو دخيل في الصلاة . ويمكن التخلّص عن ذلك بإحدى صيغتين : الأولى : أن يبدّل فرض أخذ جانب الوجود من الجزء أو الشرط في المسمّى بالالتفات إلى جانب العدم والفقدان ، فيقال : إنّ هذا الجامع التركيبيّ مقيّد بأن لا يكون فاقداً فقداً اختياريّاً للبسملة ، فهذا جامع مانع ؛ إذ من يترك عمداً لا يصدق على صلاته عدم الفاقديّة فقداً اختياريّاً ، فتبطل صلاته ، ومن يترك عند التقيّة ، أو يبسمل عند عدم التقيّة يصدق على صلاته عدم فقدان البسملة فقداً اختياريّاً ، فالإشكال إنّما كان ناشئاً من أنّهم قصروا النظر على جانب الوجود ، فوجود الجزء : إمّا أن يؤخذ في الجامع ، فيخرج الفاقد الصحيح ، أو لا يؤخذ ، فيدخل الفاقد الباطل ، بينما يمكننا أن ننتقل من جانب الوجود إلى جانب العدم ، والعدم يتحصّص بعدد الحالات ، فنقيّد الجامع بنفي تلك الأعدام التي تكون الصلاة عندها باطلة ، ولا نقيّده بغير تلك الأعدام ، فيكون جامعاً مانعاً . الثانية : أن يقال : إنّنا أيضاً نطبّق فكرة الجامع كما طبّقناها في الأقسام السابقة ، وذلك لا بمعنى الجامع بين البسملة وحال التقيّة حتّى يقال : إنّ حال التقيّة ليست فعلًا من أفعال المكلّف ، بل بمعنى الجامع بين البسملة وتقيّد الصلاة بحال التقيّة ، والتقيّد فعل للمكلّف داخل تحت الأمر في باب الشروط ، فهذا أيضاً راجع بحسب الحقيقة إلى ما له البدل « 1 » .
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ سقوط جزء أو شرط لعذر ما بلا بدل يتصوّر بعدّة أنحاء ، والحلّ الأوّل الوارد في المتن يتمّ فيها جميعاً ، وهو الحلّ بالانتقال من جانب الوجود إلى جانب العدم ، وتقييد المسمّى بنفي أحد أنحاء العدم أو الترك ، ولكن قد يتراءى عدم تماميّة الحلّ - الثاني في بعض الأنحاء ، وهو اختيار الجامع بين ذلك الجزء أو الشرط في غير وقت الحالة الاستثنائيّة ، وقرن العمل بحالة العذر في ذلك الوقت . وتلك الأنحاء ما يلي : 1 - أن يكون العذر الموجب للعجز التكوينيّ كما في حالة الاضطرار ، أو الموجب لحرج أو مشكلة ما ، كما في غالب موارد التقيّة غير مستوعب للوقت إلى آخر ، بل يكون سنخ عذر سينتهي قبل انتهاء الوقت ، ولنفترض أنّ العذر رغم عدم استيعابه للوقت كان مجوّزاً شرعاً للاكتفاء بالعمل الناقص في وقت العذر . وهنا من الواضح تأتّي الحلّ الثاني في المقام ؛ لأنّ قرن العمل بحالة العذر أمر مقدور للمكلّف ، ويمكن تحريكه نحوه ؛ إذ بإمكانه أن يقرن العمل بتلك الحالة ، وبإمكانه أن لا يقرن العمل بها ولو بتأخيره إلى زمان انتهاء العذر . 2 - أن يكون العذر بالمعنى الذي أشرنا إليه في الصورة الأولى مستوعباً لتمام الوقت . فهنا قد يتراءى عدم تأتّي الحلّ الثاني في المقام ؛ لأنّ قرن العمل بحالة العذر أمر ضروريّ الحصول ، وليس أمراً تحت قدرة المكلّف ، أو ممّا يمكن التحريك نحوه ، والعدل الآخر ، وهو ذلك الجزء أو الشرط إنّما هو لغير هذه الحالة ، بل قد يكون غير مقدور له في هذه الحالة ، فما معنى توجيه الأمر بالجامع بينهما إليه ؟ ! ولكنّه يكفي هنا في الجواب أن يقال : إنّ القرن بحالة العذر أمر اختياريّ له ويمكن تحريكه نحوه ؛ وذلك لأنّه بإمكانه أن يفعل ذلك وبإمكانه أن لا يفعل ذلك ولو بترك أصل العمل . 3 - أن لا يكون العذر عبارة عن العجز أو الصعوبة ، أو ترتّب مشكلة على الإتيان بذلك الجزء أو الشرط ، بل يكون العذر عبارة عن النسيان الموجب لعدم إمكانيّة محرّك الأمر بالجامع بين العدلين إيّاه ؛ لأنّه لا يلتفت لا إلى العدل الأوّل ، وهو الجزء أو الشرط ، ولا إلى العدل الثاني ، وهو قرن العمل بالنسيان ؛ إذ هو غير ملتفت إلى النسيان . والجواب في المقام هو : أن يقال : إنّه لمّا لم يكن عدم إمكانيّة التحريك نحو الجامع ، - بمعنى : أنّه سيترك الجامع عن غير التفات ، بل كان بمعنى : أنّه سيأتي بالجامع عن غير التفات ، أي : أنّه - بعد فرض كونه بانياً على الطاعة - سيقرن العمل بالنسيان عن غير التفات ، فعندئذٍ يكون الأمر النفسيّ المتعلّق بمجموع العمل والقرن قابلًا للمحركيّة ؛ لأنّ المجموع المركّب ممّا يمكن التحريك نحوه وما لا يمكن التحريك نحوه يمكن التحريك نحوه ، فإنّ النتيجة هنا تتبع أشرف المقدّمتين . نعم ، لو كان ما لا يمكن التحريك نحوه عبارة عمّا يتركه المكلّف بلا التفات ، لا عبارة عمّا يفعله بلا التفات ، لكانت النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين ، أي : أنّ المجموع المركّب ممّا يمكن التحريك نحوه وما لا يمكن التحريك نحوه لا يمكن التحريك نحوه . يبقى هنا سؤال عرفيّ ، وهو : أنّه بعد أن كان الأمر الضمنيّ بالجامع غير محرّك للناسي ، والأمر الضمنيّ بنفس ذلك الجزء أو الشرط كافياً في تحريك غير الناسي نحو المطلب ، فما هي النكتة العرفيّة في عدول المولى عن الأمر بذلك الجزء أو الشرط إلى الأمر بالجامع ؟ فإنّه كان بإمكان المولى الاكتفاء بالأمر بذلك الجزء أو الشرط مع تخصيص ذلك الأمر بغير الناسي . وهذا يكفي في الجواب عليه : أن يفترض أنّ نكتة العدول عن الأمر بالعدل الأوّل إلى الأمر بالجامع كانت عبارة عن أنّ الملاك كان في الجامع لا في خصوص العدل الأوّل ، فأراد المولى أن يتطابق الأمر مع الملاك