بقي في المقام شيء ، وهو : أنّه قد عرفت أنّهم ذكروا في تقريب دلالة التبادر على الوضع ، أنّ سبب التبادر أحد أمرين : إمّا الوضع ، وإمّا القرينة ، فإذا انتفت القرينة كان التبادر دليلًا على الوضع ؛ لأنّه عندئذٍ العلّة الوحيدة له ، فيدلّ عليه دلالة المعلول على علّته ، إلّاأنّ هذا التقريب لا يخلو من نقص ؛ وذلك لأنّ التبادر في الحقيقة له أحد أسباب ثلاثة : القرينة ، والوضع وهو عندنا القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى في ذهن نوع أبناء اللغة ، والقرن الأكيد الشخصيّ في ذهن شخص معيّن ، فإنّ القرن الأكيد قد يكون نوعيّاً ، وهذا هو المقصود بالوضع ، وهو الذي يولّد الظهور النوعيّ الذي يكون حجّة عقلائيّاً بين الموالي والعبيد ، وقد يكون شخصيّاً يولَد في ذهن شخص معيّن على أساس ظروف خاصّة ، وصُدف وخصوصيّات في بيئته ، أو كسبه ومهنته ، أو عائلته ، أو مطالعاته وكتاباته ، وما شابه ذلك ، وهذا يولّد الظهور الشخصيّ ، فمثلًا باعتبار شدّة علاقته بكتاب الألفيّة من بين كتب النحو ، واهتمامه بمطالعته ودرسه ، وعدم رؤيته لكتاب نحو آخر قد يتبادر إلى ذهنه من كلمة ( الكتاب النحويّ ) الألفيّة ، وباعتبار أنّ ابنه المسمّى بعمران مثلًا يعيش معه ليلًا ونهاراً يتبادر إلى ذهنه من كلمة عمران ابنه ، مع أنّ عمران اسم لأشخاص كثيرين ، وليس له اختصاص بابنه ، وهذا القرن الشخصيّ لا يكون وضعاً ، وليس التفاهم العامّ والاحتجاج بالظهورات على أساسه . فكون التبادر علامة على الوضع والحقيقة موقوف على نفي احتمالين : الأوّل احتمال استناده إلى القرينة ، والثاني احتمال استناده إلى القرن الشخصيّ .
أمّا الاحتمال الأوّل : فقد يمكن نفيه بالفحص والتفتيش ، فإن انتفى الاحتمال بذلك فهو ، وإلّا لم يكن التبادر دليلًا على الحقيقة ، ولا يمكن نفي احتمال القرينة هنا بأصالة عدم القرينة ؛ لما حقّق في محلّه من أنّ أصالة عدم القرينة أصل عقلائيّ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 273
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧٣