تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وإن قصد بها كون التبادر علامة على العلم بالوضع لا على أصل الوضع : أي : أنّه يحصّل به العلم بالعلم ، لا أصل العلم بالوضع ، فهذا أيضاً غير صحيح ؛ فإنّ العلم بالوضع من الموجودات الحضوريّة لعالم النفس ، فإذا كان الشخص غافلًا عنه فلم يعلم به بالرغم من وجوده واقعاً وارتكازاً ، كفاه لكي يعلم به مجرّد أن يستعلم حال نفسه ، ويلتفت إلى أنّه : هل يعلم ، أو لا يعلم ، فبمجرّد أن يريد معرفة أنّه : هل يعلم أو لا يعلم يعرف ذلك من دون حاجة إلى توسيط البرهنة على ذلك بالتبادر ، ومن المستحيل توسيط البرهان بين الشخص وعلمه ، أو أيّ موجود من الموجودات الحضوريّة لنفسه ، بل بمجرّد الالتفات يرى مباشرةً وبأُمّ عقله أنّه عالم . وأمّا إذا بنينا على ما هو الصحيح في حقيقة الوضع من أنّ روحه يرجع إلى القرن بين اللفظ والمعنى في الذهن قرناً أكيداً ، فلا يبقى دور ؛ لا لأجل الجواب بالإجمال والتفصيل كما قالوه ، بل لأنّه لا يبقى موضوع للدور ؛ إذ من الواضح : أنّ هذا القرن بنفسه يكون مولّداً للملازمة بين اللفظ والمعنى في الذهن ، وبالتالي للانتقال من اللفظ إلى المعنى ، أي : لتبادر المعنى إلى الذهن من اللفظ ، وقد يحصل هذا التبادر قبل العلم بالوضع . ويمكنكم معرفة ذلك بالالتفات إلى الطفل ، فحينما تُقرن كلمة « الحليب » مع واقع الحليب أمامه مراراً عديدة تنسبق إلى ذهنه من كلمة « الحليب » صورة الحليب ، من دون أن ينتزع العلم بالوضع والقَرن ؛ لأنّه ليس له الآن أيّ علم تصديقيّ ، وإنّما هذا القرن بوجوده الواقعيّ أثّر أثره من إيجاد الملازمة ، وبالتالي الانتقال من أحد المتلازمين إلى الآخر .