وقد يقاس المقام على سائر موارد الملازمات ، فكما أنّه في الملازمة بين النار والحرارة مثلًا لا ينتقل ذهننا بحسب عالم التصديق من النار إلى الحرارة ، إلّاإذا كنّا عالمين بالملازمة ، كذلك في المقام لا يكفي مجرّد القرن الواقعيّ بين اللفظ والمعنى والملازمة بينهما للانتقال من اللفظ إلى المعنى ما لم نعلم بهذه الملازمة .
وهذا جوابه واضح ، وهو : أنّ الملازمة تارة تكون بين المُدرَكين ، وأخرى بين نفس الإدراكين ، ففي الأوّل إنّما ينتقل الذهن من الإدراك التصديقيّ لأحدهما إلى الإدراك التصديقيّ للآخر إذا كان عالماً بالملازمة ، وأمّا في الثاني ، وهو ما إذا كانت الملازمة بين الإدراكين والتصوّرين ، فهي تؤثّر أثرها علم الإنسان بها أو لا ؛ فإنّ أحد المتلازمين يستحيل أن ينفكّ عن ملازمة الآخر . ومحلّ الكلام من هذا القبيل ، فإنّ الانتقال ليس باعتبار الملازمة خارجاً بين لفظ « أسد » ووجود الحيوان المفترس خارجاً ، وإنّما هو باعتبار الملازمة بين الإدراكين والتصوّرين الناشئة من القرن الأكيد بينهما ذهناً ، فهذا من قبيل الملازمة بين حبّ الشيء وحبّ مقدّمته ، فإذا كانت هذه الملازمة ثابتة ، فلا محالة ينتقل الإنسان حبّاً من الشيء إلى مقدّمته ، سواء علم بالملازمة أو لا ، وكذلك في المقام إذا ثبتت الملازمة بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى للقرن الأكيد ، فلا محالة ينتقل تصوّراً من اللفظ إلى المعنى ، سواء علم بالملازمة أو لا ، فليس التبادر موقوفاً على العلم حتّى يلزم الدور .
هذا كلّه فيما إذا جعلنا التبادر عند شخص علامة للحقيقة لنفس ذلك الشخص ، وأمّا إذا قلنا : إنّ المقصود هو استعانة الجاهل بالوضع بالتبادر عند العالم به ، فهذا أجنبيّ عن إشكال الدور ، ويجب أن يرجع إلى الاطّراد في التبادر بالمعنى الذي سوف يأتي إن شاء اللَّه .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 272
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧٢