وهذا الكلام حينما يصدر عن إنسان عاقل مختار لابدّ أن يكون في نفسه شيء دفعه إلى إيجاد هذه الدلالة التصوّريّة ، فإن كان هو قصد الإخبار ، صار خبراً ، وإن كان هو اعتبار وقوع الطلاق ، صار إنشاءً .
وأمّا القسم الثاني - وهو الجمل التي تختصّ بالإنشاء - : فلنشرح الكلام فيه بالحديث عن مثل « هل زيد عالم ؟ » ، فنقول : إنّ مدخول « هل » وهو « زيد عالم » قد عرفت أنّ مدلوله التصوّريّ الوضعيّ هو النسبة التصادقيّة التامّة . وأمّا مدلول « هل » فطبعاً ليس هو مفهوم الاستفهام ، فإنّه مفهوم اسميّ استقلاليّ ، ولكن لا إشكال في أنّه يُفهم الاستفهام من الكلام ، فكيف نتصوّر هذا الاستفهام ؟
هناك وجهان لتفسير مفاد أداة الاستفهام بنحو ينسجم مع مسلك المشهور ، نذكرهما تباعاً بعد إلفات النظر إلى أنّ حالة الاستفهام لها أركان ثلاثة : المستفهِم ، والمستفهَم عنه ، ونفس الاستفهام :
الوجه الأوّل : ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله من أنّ مفاد أداة الاستفهام « 1 » هو نسبة بين الاستفهام والنسبة الموجودة بين زيد وعالم ، والطرف الثاني مذكور في الكلام . وأمّا الطرف الأوّل وهو الاستفهام فمأخوذ قيداً في نفس مدلول « هل » ، أي : أنّ « هل » تدلّ على نسبة الاستفهام ، فمدلولها المطابقيّ هو النسبة ، وهي مقيّدة
هامش
( 1 ) راجع المقالات ، ج 1 ، ص 99 - 100 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ ، والحديث في الكتاب وارد عن حروف التمنّي والترجّي ، ولكنهما مع الاستفهام فيما هو محل الكلام من وادٍ واحد .
وعلى أيّ حال ، فالعبارة غير دالّة على ما نسب إليه استاذنا رحمه الله في المقام .
وعلى كلّ حال ، نقول : لو كان هذا مقصوداً للمحقّق العراقيّ رحمه الله يرد عليه : أنّ مفهوم الاستفهام مفهوم اسميّ منتزع في طول تحقّق النسبة الاستفهاميّة ، فلا معنى لفرضه طرفاً لتلك النسبة