الخبريّة عنده من حيث إنّها موضوعة لأمر نفسانيّ تدلّ عليه دلالة تصديقيّة ، وإنّما الفرق في ذلك الأمر النفسانيّ . فالجملة الخبريّة موضوعة لإبراز قصد الحكاية ، والجملة الاستفهاميّة ك « هل زيد عالم » موضوعة لإبراز أمر نفسانيّ آخر ، وهو طلب الفهم ، أي : أنّها تكشف عن فرد جزئيّ من طلب الفهم قائم في نفس المتكلّم ، وجملة التمنّي مثل « ليت النبيّ صلى الله عليه وآله حيّاً » موضوعة لإبراز أمر نفسانيّ ثالث ، وهو التمنّي ، فتدلّ على وجود تمنّ جزئيّ في نفس المتكلّم . . . وهكذا .
وهذه الدلالات التصديقيّة من إبراز قصد الحكاية في الخبر ، وطلب الفهم ، أو التمنّي ، أو غير ذلك في الإنشاء كلّها مقبولة عندنا وعند المشهور ، لكنّها ليست وضعيّة ، بل ناشئة من قرائن سياقيّة ، وظهور حال المتكلّم ، وما يكشفه من ملابسات ؛ لما عرفت بالبرهان من أنّه لا يمكن أن يكون الوضع وافياً بالدلالات التصديقيّة ، فلابدّ في مرتبة سابقة على هذه الدلالات التصديقيّة من تصوّر دلالة تصوّريّة لتكون هي المدلول الوضعيّ ، وهي محفوظة حتّى لو سمع اللفظ من اصطكاك حجرين ، فبهذا تعيّن المصير إلى مسلك المشهور .
وتحقيق الحال في المقام : أنّ الجمل الإنشائيّة تنقسم إلى قسمين :
إحداهما : ما تكون مشتركة بين الإخبار والإنشاء ، فقد تستعمل في الإخبار ، وأخرى في الإنشاء ، من قبيل : « أنت طالق » أو « بعتك هذا الكتاب بدينار » .
والأخرى : ما تكون متمحّضة في الإنشاء ك « هل زيد قائم ؟ » .
أمّا القسم الأوّل : فمدلوله التصوّريّ الوضعيّ هو عين ما شخّصناه سابقاً في الجملة الخبريّة ، ولا فرق عند المشهور في المدلول التصوّريّ الوضعيّ بين « أنت طالق » الإنشائيّ و « أنت طالق » الأخباريّ . وقد حقّقنا في الإخبار أنّ مدلوله هو النسبة التامّة التصادقيّة ، وأمّا الإنشائيّة والإخباريّة فهي من الدلالات التصديقيّة ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 191
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩١