على الوجود . وتوضيح ذلك : أنّ المفهوم الاسميّ في الذهن يمكن بنظرة تحليليّة أن يحلّل إلى ماهية ووجود ، وتشكّل قضيّة تحليليّة ، فيقال : النار وجدت في الذهن . فالوجود والماهية وإن كانا متّحدين خارجاً ولكن بحسب التحليل تتقرّر في المرتبة السابقة ماهية ، ويحمل عليها الوجود أو العدم . وهذا معناه : أنّ مفهوم النار في مرتبة وقوعه موضوعاً لهذه القضيّة التحليليّة له تقرّر في نفسه بقطع النظر عن الوجود ، وهذا التقرّر الماهويّ يوجد في باب المفاهيم الاسميّة . وأمّا في المفاهيم الحرفيّة فهذا النحو من التقرّر الماهويّ غير معقول . بيان ذلك : أنّه لو لم تكن هويّة أفراد النسب عبارة عن حدود أشخاص الوجودات كما عرفت في المرحلة الثالثة ، بل كانت لها ماهية مستقلّة عن وجود الطرفين ، أمكن أن يشار إلى تلك الماهية وتجعل موضوعاً لقضيّة تحليليّة ، ويحمل عليها الوجود ، وكان لها تقرّر ماهويّ في ذاتها بغضّ النظر عن الوجود ، ولكن قد عرفت أنّ المعنى الحرفيّ ليس إلّاعبارة عن حدّ الوجودات فليست له ماهية وراء حدّ الوجود ، فإذا غُضّ النظر عن الوجود كان معنى ذلك غضّ النظر عن ماهية المعنى الحرفيّ ، فليس له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود .
بكلمة أخرى : أنّ المفهوم الاسميّ له تقرّر ماهويّ قبل مرتبة الوجود في الذهن ، ثُمّ يوجد في الذهن ، وأمّا المفهوم الحرفيّ فقبل مرتبة وجود الطرفين بحدّهما في الذهن ليس له تقرّر ماهويّ ، ويحصل له التقرّر الماهويّ في نفس مرتبة وجود الطرفين بما لهما من حدّ في الذهن ؛ لأنّ هويّة المعنى الحرفيّ ليست إلّاعبارة عن نفس حدّ شخص وجود الطرفين ، إذن ففي مرتبة سابقة على عالم الذهن لا يوجد تقرّر ماهويّ للمعنى الحرفيّ كما كان يوجد للمعنى الاسميّ ، وإنّما يكون تقرّره الماهويّ بنفس تكوّنه في عالم الذهن .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 143
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٤٣