قطربه . فلمّا حصلنا هناك قالت النفس المطمئنة : هذه « أول أرض مسّ جلدي ترابها » « 1 » وهذه الجنّة وهذا شرابها وإذا / بشمس الأمل وقد حلّت شرفها بغير الحمل فأخرج شرفا كريما فاق أحسن الأوفاق وملأ آفاق الأوراق بما رقّ من الألفاظ الفاضلة وراق ، فأقبلت العيون إلى مرآه لترى وجه البلاغة وجنحت الجوانح الجوارح للتحلّي بجواهر تلك الصناعة البديعة الصياغة ، ومالت الأسماع إلى التشنّف بتلك الأسجاع وما تضمّنت من إبداع إبداع وترصيع تصريع يعيد سابق هذه الحلبة سكيتا وثنى حبّها من حيائه وخجله ميتا . فكم رأى المملوك بها منه كوكبا ما عثر جواده بجواده ولا كبا . وقال هذا ربّ الفضل الذي نزع ، وهذا النابغة الذي شكر اللّه زمانا فيه نبغ . وهذا النبل الذي على الأكوار واقتعدنا سنامه وغاربه ورأينا مشارقه ومغاربه . نظرنا إلى السوارق من فوقه كالأهاضب
« وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ »
« 2 » وغرابيب وقد حطّ رجلا في الأرض ورأسا في السما ، وأخذ لسانا إلى البحر وما به من ظما ، وكأنما قام إلى الأفق مزاحما بمناكبه أبراجه أو مال على البحر ملاطما بأهاضبه أمواجه . تزول جبال رضوى وهو لا يزول وتحول صبغة الأيام وصبغ شعرته لا يحول . قد رفع البروج عليه قبابا وأعارته الشمس من شعاعها أطنابا : ( من الوافر )
وأصبح والغمام له رداء * على ثوب من النبت العميم
له درج بنهر السحب يسقي * يضاحك زهره زهر النجوم
قد ركعت عليه الكواكب
« وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ »
« 3 » ورفعت سماءه
هامش
( 1 ) ( 1 ) عجز بيت أنشده حماد بن إسحاق الموصلي ( الأمالي للقالي 1 / 82 ) تمامه :بلاد بها حل الشباب تمائمي * وأول أرض مس جلدي ترابها( 2 ) ( 11 ) سورة فاطر 26 .
( 3 ) ( 19 ) سورة الرحمن 5 - 6 :« وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ . وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ».