وإن كان قد أكثر من ايراد شبه الفلاسفة وملأ بها كتبه فإنه قد زلزل قواعدهم . قلت :
الأمر كما قال لأنه إذا ذكر للفلاسفة أو غيرهم من خصومه شبهة ثم اخذ في نقضها فإمّا ان يهدمها ويمحوها ويمحقها وإمّا ان يزلزل أركانها ، من ذلك أنه اتى إلى شبهة الفلاسفة في أن وجود اللّه تعالى عين ذاته ولهم في ذلك شبه وحجج قوية مبنية على أصولهم التي قرّروها فقال : هذا كلّه ما نعرفه ولكن نحن نعلم قطعا ان اللّه تعالى موجود ونشكّ في ذاته ما هي فلو كان وجوده عين ذاته لما كنّا نعلم وجوده من وجه ونجهله من وجه إذ الشيء لا يكون في نفسه معلوما مجهولا . هذا امر قطعيّ فانظر إلى هذه الحجّة ما أقواها وأوضحها وأجلاها كيف تهدم ما بنوه وتدكدك ما شيّدوه وعلّوه ، وما رأيت أحدا يقول إذا عابه غير ذلك ولم يأت بشيء من عنده حتى يقول كان ينبغي ان نجيب عن كذا بكذا فيكون قد استدرك ما اهمله وأغفله والأعمال بالنيات .
ولما مات الإمام فخر الدين خلف ثمانين ألف دينار سوى الدوابّ والعقار وغير ذلك ، وخلف ولدين الأكبر منهما تجنّد في حياة أبيه وخدم خوارزم شاه والآخر اشتغل ولم نعلم له ترجمة وأظنّه الذي صنّف له « الأربعين في أصول الدين » لكنه قال : لأكبر أولادي محمد ، واللّه اعلم . وكان الإمام له في أيامه صورة كبيرة وجلالة وافرة وعظمة زائدة . ذكر ابن مسدي في معجمه عن « 1 » ابن عنين رحمه اللّه يقول سمعت ابا المحاسن محمد بن نصر اللّه ابن عنين رحمه اللّه يقول : كنت بخراسان في مجلس الفخر الرازي إذ أقبلت حمامة يتبعها جارح فسقطت في حجر الرازي وعاذت به وهو على منبره فقمت وأنشدت بديها « 2 » :
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا * في كلّ مسغبة وثلج خاشف
والعاصمين إذا النفوس تطايرت * بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبّأ الورقاء انّ محلّكم * حرم وأنك ملجأ للخائف
هامش
( 1 ) في الأصل : ان
( 2 ) انظر ديوان ابن عنين ص 95