منحى الحياة ، وقد كفلت تلك النزاهة بروح القاضي العادل الذي لا يستطيع أن يتساهل في الخروج عن الانصاف . وقد برز ميل ابن خلكان إلى الاعتدال واضحا في كتابه ، فإنه كان يعالج تراجمه بسماحة خلق وسعة صدر ، وحسبنا أن نذكر كيف أنه ترجم لابن الراوندي ترجمة لم تعجب كثيرا ممن جاءوا بعده لأنه لم يحطّ فيها عليه ولم يصفه بالكفر والالحاد ؛ ويتمتع الكتاب بدقة فائقة ، لا من حيث الاختيار والانتقاء وحسب ، بل من حيث الضبط لكلّ ما يظن المؤلف أن القارئ بحاجة إلى ضبطه ؛ وهذا ما يجعل الوفيات مصدرا هاما لضبط الأعلام وأسماء الأماكن .
وانعكست على الكتاب صفتان أخريان من صفات المؤلف ؛ أولاهما الروح الأدبية ، ولهذا كانت التراجم موضعا للنزاع بين روح المؤرخ وروح الأديب ، ولكن المؤلف كان على وعي بما يصنع ، وكان ميله إلى الشعر يجعله أحيانا يجهد في البحث عن شعر لأشخاص ليس لهم في ميدان الشعر نصيب كبير ، كما أنه أضاع ترجمة كاملة في حلّ لغز « 1 » ؛ والثانية تحرّجه الكثير مما يدعى الغيبة أو ذكر السيئات ، فقد تجاوز في هذه الناحية عن ذكر أشياء لم يتجاوز عنها الآخرون ؛ كانت رؤيته للحسنات أوسع منظورا من رؤيته للعيوب ، وتلك خاصية تمثلها تمام التمثيل القصة التي مرّت بنا عن العدلين اللذين كانا يشربان الخمر ؛ وقد اتخذ تلك الخاصية مبدأ في مناقشة ما يورده الآخرون ، فهو ينقل ما قاله الفتح ابن خاقان في ابن باجة ويعلق على ذلك بقوله : « ولقد بالغ ابن خاقان في أمره وجاوز الحدّ فيما وصفه به من هذه الاعتقادات الفاسدة ، واللّه أعلم بكنه حاله » « 2 » ولم يورد تعليلا لاعتقاده هذا ، كأن يبحث عن أسبابه في العداء بين ابن خاقان وابن باجة ، وإنما قال ما قال استئناسا منه إلى شعوره النفسي الذي يكره التمادي في إبراز العيوب .
وقد يقال إن مثل هذا يناقض روح العدالة الصارمة ، ولكن الحكم على شؤون الماضي إنما هو في الغالب حكم على قضايا ضاعت شواهدها اليقينية ، ومن
هامش
( 1 ) انظر الوفيات 6 : 255 .
( 2 ) الوفيات 4 : 430 .