يكن يفعل ذلك بداعي التعصب ولكن الانتماء يحدّد أحيانا مجالات الاختيار ، ولنأخذ القضية الثالثة وهي أبرز القضايا ، أعني انتماءه إلى المذهب الشافعي ، فقد أوحت له نشأته على هذا المذهب بوفور « الأعيان » بين الشافعية دون أن يكون متعصبا لهم ، وسهّل عليه أبو إسحاق الشيرازي حين اطلع على كتابه « طبقات الفقهاء » أمر الاختيار ، فهو يتحدث عنهم واثقا من دورهم الكبير في تاريخ الفكر والفقه الشافعيين ، وقد عددت الشافعية في تراجم الأجزاء الأربعة الأولى فوجدتهم يبلغون مائة وخمسا وخمسين ترجمة ( من أصل 680 ) ، وهذه نسبة تتجاوز 22 بالمئة من ذلك المجموع ، فإذا أغفلنا تراجم الذين تقدّموا الشافعي في الزمن ، ومن لا ينسبون إلى مذهب معين ، ارتفعت تلك النسبة إلى أكثر من ذلك .
على أية حال ليست هذه الملاحظة انتقادا لابن خلكان على أية ترجمة أوردها ، ولكنا حين نأخذ مقياسه مأخذ الجدّ ونحاسبه عليه ، تثور لدى الباحث نواح كثيرة صالحة للتأمل والتدقيق ، غير أنا كنا أسعد حالا لو أنه زاد من مصادره وزاد من عدد تراجمه ، ولم يتوقف حيث كان يسأم الإطالة ، إذ أن الدارس الحديث أعرف بقيمة كل حقيقة صغيرة تذلل لديه عقبة من عقبات البحث العلمي ، وربما كانت حاجته إلى معجم يورد تراجم المغمورين تفوق حاجته إلى معجم يقتصر على ذكر الأعيان .
وربما كانت كلمة « مؤرخ » التي استعملتها في الحديث عن ابن خلكان غير دقيقة ، ولهذا أسرع إلى القول بأنه كانت لديه أدوات المؤرخ ولكنه لم يكتب تاريخا ، ولم يمكنه الزمن إلا من تسليط وعي المؤرخ النابه على مجموعة من التراجم ، بل لعلّه فيما يبدو بدأ في التاريخ ، أو بجمع الاخبار عامة ، ثم بدّدها في جزئيات صغيرة ، كان لديه تاريخ للصفاريين أدرجه في ترجمة واحدة ، وتاريخ للسلاجقة وآخر للعبيديين ورابع للأيوبيين ، ومن قرأ التراجم بدقة وجد أنها « فصل » من كلّ كبير . هل كان إحساسه بما يدور حوله هو السبب في أنه لم يقدم على كتابة تاريخ : كان يعلم أن ابن المستوفي منصرف إلى تاريخ إربل ، وأن ابن الشعار يؤرخ لشعراء الزمان ، وأن ابن العديم يخط
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة مقدمة 80
مساهمون: ابن خلكان
صمقدمة ٨٠