تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة مقدمة 79

مساهمون:

صمقدمة ٧٩
العدالة في هذا الموقف ، التوقف دون الترجيح ، أو الاستئناس إلى روح الاعتدال لدى البت في أمر ما . وقد حجب المؤلف كثيرا من الحكايات المتصلة بالعبث ، ومع أنه أباح لنفسه ايراد الاحماض بعد أن قطع شوطا كبيرا في تأليفه ، فإنه في الجملة ظلّ أقرب تعلقا بروح الجدّ فيما يورده من أخبار . ومن الانصاف أن نقول إن الروح الأدبية أو ميله إلى جانب الحسنات لم يستطيعا أن يكبّلا روح المؤرخ الناقد لديه ، فهو حصيف شديد التنبه في هذه الناحية ، إذا نقل خبرين متعارضين - رغم تفاوت الزمن - نبّه إلى هذا التعارض ، وإذا اقتبس مادة من كتاب لم يرسلها - كما ترسل الروايات - دون محاكمة أو تمحيص . ذكر نقلا عن المرزباني أنّ والد الفراء حضر وقعة الحسين بن عليّ ، فتعقبه في هذا لأن الفراء الذي عاش 63 سنة ، ولد سنة 144 بينما كانت معركة كربلاء سنة 63 ، ومن غير المعقول أن يحضر والده تلك المعركة ويعيش ذلك العمر المديد « 1 » ؛ ونقل عن الخطيب أن يحيى بن معين توفي في ذي القعدة سنة 233 وأنه حج في تلك السنة ، وهذا متناقض لأنه لا يمكن أن يحج وأن تكون وفاته في ذي القعدة « 2 » ، وهكذا مضى في مواضع مختلفة من كتابه يناقش ويقرّر ، وكان أكثر نقده معتمدا على الحساب الزمني . ومهما أوتي المرء من قوة النزاهة وروح العدالة ، فان هناك مؤثرات - ربما كانت لا شعورية - تظل تفعل فعلها في نفسه ، وخصوصا حين يواجه المرء صعوبة الاختيار والتحديد ، وهي صعوبة لا مفرّ منها حين يكون المقياس في التمييز غامضا أو مطاطا . ويلحظ الدارس أن ابن خلكان كانت توجهه في اختياره عوامل كامنة لا يستطيع أن ينفك منها ؛ وفي هذا المقام يجب أن نتذكر أن ابن خلكان كان إربليا برمكيا شافعيا ، فإذا أبرز دور الاربليين أو أطنب في الحديث عن البرامكة أو استكثر من تراجم الشافعية ، فإنه لم
هامش
( 1 ) الوفيات 6 : 182 . ( 2 ) الوفيات 6 : 141 .