هل كان ينوي أن يكتب تاريخا عاما أو أن يتوسع في كتاب للتراجم ؟
أكبر الظن أنه كان يخطط لتاريخ عام على مثال كتاب شيخه ابن الأثير ، لأنه كان يريد أن يسرد فيه تاريخ القرامطة مستوفى ، وايراد تاريخهم على هذه الصورة لا يعتمد على التراجم - فيما أقدّر - وإنما يعتمد على الأحداث « 1 » ؛ وقد ظلّ هذا الأمل حيّا حين انتهى من الصورة الأولى من كتابه ، وكان يقدر أن يجيء الكتاب المطوّل في أكثر من عشرة أسفار « 2 » ، وعاد إلى حديث القرامطة وايراد التفصيلات عنهم في التاريخ الكبير حين كتب ترجمة يعقوب ابن الليث الصفار « 3 » ، وهي ترجمة متأخرة كثيرا حتى عمّا قبلها وما بعدها من التراجم لأنه لا وجود لها فيما تبقى من مسودة المؤلف ، وعندما ختم الصورة الثانية من كتابه الوفيات كان ما يزال على عزم الشروع في كتابه المطوّل ( أي سنة 672 ) .
من السهل أن نقول إنه لم يفعل ذلك ، لأنه لم يستطع الانصراف إلى التأليف ، فقد كانت الفترة المتبقية من اقامته في القاهرة حتى عاد إلى منصب القضاء بدمشق ( سنة 676 ) لا تكفي لانجاز كتاب مطوّل كالذي كان يعتزم تأليفه ؛ ولم يذكر أحد من معاصريه أو ممن جاء بعدهم أنه حقق تلك الأمنية ، وليس بين أيدينا اليوم مما يتصل به سوى كتابه « وفيات الأعيان » ومعنى ذلك كله أن أمنيته ظلّت أمرا نظريا لم يخرج إلى حيز الواقع ، ولكن في النفس شيئا من هذا القطع الجازم : ألا يمكن أن أكون مخطئا في التقدير ويكون ما انتوى ابن خلكان كتابته تاريخا مفصلا في التراجم ؟ ترى لو وصلتنا نسخة آيا صوفيا ( رقم : 3532 ) كاملة - وفيها تراجم كثيرة لا ترد في سائر النسخ - ألم يكن من الممكن عدّها ذلك التاريخ المطوّل ؟
وهذه المنقولات التي وردت في البدر السافر ومرآة الجنان وذيل مرآة الزمان وقدّرت أنها مستمدة مباشرة من مسودات المؤلف : ألا يمكن أن تكون
هامش
( 1 ) انظر الوفيات 2 : 147 .
( 2 ) الوفيات 6 : 229 .
( 3 ) الوفيات 6 : 431 .