تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة مقدمة 57

مساهمون:

صمقدمة ٥٧
وكان يجيزهم الجوائز السنية على مدحهم « 1 » . كذلك وصف بالنزاهة وكمال العقل وثبات الجأش ، وهي خصائص هامة للقاضي ، مثلما هي هامة في معاملة الناس جملة ، ومن الطبيعي أن يكون الجدّ هو الصفة الغالبة عليه مع الوقار ، فهما من متطلبات القضاء أيضا ، وهذا هو الذي جعل مجلسه حافلا بالبحث والتحقيق والفوائد العلمية والأدبية « 2 » وكان أصحابه يحبون هذا المجلس للاقتباس من فوائده ، على أن ذلك لا ينفي أنه كان يميل إلى الدعابة المهذّبة في الأغلب . وكان شديد المسارعة إلى خدمة الآخرين إلّا أن تؤدي الخدمة إلى ما يمس روح العدالة لديه ، كذلك تحدثت فيما سبق عن عفة يده عن قبول المساعدات المادية وهو في أشد حالات الضيق ؛ وكل هذه الصفات مع ما عرف به من الرفق ولين الجانب جعلته محببا إلى من عرفوه « 3 » ، وكان شديد التحرّج من أن تجري في مجالسه الغيبة ، ويكره نقل الأخبار بالنميمة ، وله في هذا الباب حكاية عميقة الدلالة ، ربما ظنناها اليوم تتعارض مع منصبه القضائي ، فقد حضر إليه ذات يوم رجل يخبره أن اثنين من الشهود العدول لديه كانا عاكفين على الخمر في مكان ما ، فأرسل أحد النقباء يأمرهما باصلاح حالهما وتغيير هيئة المجلس ، ثم توجه إلى بيته ، حتى إذا عرف أن النقيب قد وصل وبلغهما ما أمره به ، استدعى الرجل الذي أفضى إليه بالسرّ وقال له : أنا أبعث معك النقيب ( ثاني النقيبين ) فإن كان حديثك صحيحا فعلت بهما ما ينبغي وإلا أشهرتك في البلد وقطعت لسانك ؛ فوافق الرجل لتأكده مما رآه ، فأخذه النقيب وذهب به إلى ذلك المكان فلم يجد أثرا لمجلس شراب ، وأسقط في يد الرجل ، وأعيد إلى ابن خلكان ، فأخذه في دهليز ومعه الدرة ، وأخذ يهدده ، فشفع فيه النقيب ، فقبل شفاعته ، ثم أحضر المصحف وجعله يحلف عليه بألا يعود يقذف عرض مسلم « 4 » ؛
هامش
( 1 ) المنهل الصافي ؛ وابن طولون : 35 . ( 2 ) ابن قاضي شهبة : 211 والمنهل الصافي ؛ وابن طولون : 35 . ( 3 ) عيون التواريخ : 115 / أ . ( 4 ) عيون التواريخ : 115 / أ - ب ، وشذرات الذهب 5 : 371 - 372 .
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة مقدمة 57 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس