يجب ألا ننسى روح المؤرخ هنا ، فان زيارته للقبور كانت جزءا من تعرفه إلى أماكن الوفاة ، وتدقيق ما يتصل بالتأريخ جملة « 1 » .
5 - ابن خلكان الناقد الأدبي والشاعر :
نثر ابن خلكان أحكاما نقدية كثيرة في مواضع من كتابه تدل كلّها على النموذج الشعري الرفيع في نظره ؛ ويؤخذ من تلك الأحكام أنه كان يعتبر شعر البحتري وصرّدر وسبط ابن التعاويذي وابن عنين نموذجا لما يراه قمة الشعر العربي ( دون أن ينقص ذلك من اعجابه العام بالمتنبي ) فهو يقول في التعليق على بعض شعر البحتري : « هذا هو السحر الحلال على الحقيقة والسهل الممتنع ، فلله دره ! ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه وأحسن سبكه وألطف مقاصده ، وليس فيه من الحشو شيء بل جميعه نخب » « 2 » ويقول في سبط ابن التعاويذي : « جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها ، وهو في غاية الحسن والحلاوة ، وفيما أعتقده لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه ، ولا يؤاخذني من يقف على هذا الفصل ، فان ذلك يختلف بميل الطباع » « 3 » . ويقول في ابن عنين : « كان خاتمة الشعراء لم يأت بعده مثله ، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به » « 4 » . ولا يقارب هؤلاء بل ربما تفوق عليهم في بعض شعره سوى مروان بن أبي حفصة في مثل قصيدته اللامية التي منها :
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم * أسود لهم في بطون خفان أشبل
فقد قال في التعليق عليها : « هذا لعمري هو السحر الحلال المنقح لفظا
هامش
( 1 ) راجع أمثلة ذلك في الوفيات 1 : 171 ، 2 : 509 ، 3 : 129 ، 135 ، 162 222 ، 4 : 192 ، 462 ؛ 5 : 18 ، 197 .
( 2 ) الوفيات 6 : 26 .
( 3 ) الوفيات 4 : 466 .
( 4 ) الوفيات 5 : 14 .