ومعنى وحقه أن يفضل على جميع شعراء عصره وغيرهم » « 1 » . وكل هذا يدلّ على أن الشعر المحدث - في الأغلب - هو محط اعجابه ، وأنه يميل إلى حلاوة السبك الموسيقي المتلائم مع المعنى دون أن يكون الشعر معتمدا على حشو « 2 » ؛ ويتميز هذا اللون من الشعر بسهولة الجريان مثلما يتميز بالاستواء العام في المعنى ، وربما ارتفع إلى مستوى الجزالة المحكمة - دون نظر إلى ما تحتها من معنى ، ولهذا نجده يرد انتقاد المعري لابن هانىء حين وصف شعره بأنه يشبه رحى تطحن قرونا فيقول : « ولعمري ما أنصفه في هذا المقال ، وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي » « 3 » . هذا هو رأيه العام في الشعر فإذا جاء إلى التخصيص وجدناه يعجب بالمخالص الجيدة والتقسيمات الموفقة وبعض أنواع الجناس « 4 » ، وذوقه في هذا لا يفترق عن أبناء عصره ؛ ويمكن أن نقول إن « مدرسة البحتري » هي التي صنعت مقاييسه النقدية ، على تفاوت المستويات في تلك المدرسة ، حتى حين تصل إلى الجزار وابن مطروح والبها زهير . ولديه مجموعة من المقاييس النقدية التي أصبحت معتمدة في عصره كالمفاضلة بين قصيدتين متشابهتين في الوزن والرويّ « 5 » ، والكشف عن تناوب الشعراء للمعنى الواحد ، أو الحديث عموما عن قضية الأخذ والسرقة ، والتدقيق في تعقب الشعراء للاخلال الجزئي بالمعنى ، إلى درجة الاسراف أحيانا « 6 » .
وتدلّ هذه المقاييس النقدية على المستوى الذي كان يطمح إليه في شعره ؛ فهو شعر يمكن أن يوصف إجمالا بالرقة والعذوبة ، ولكن ليس له نصيب من الجزالة ، أو من حلاوة موسيقى البحتري ، كما أنه مشغوف فيه بالتضمين
هامش
( 1 ) الوفيات 5 : 190 - 191 .
( 2 ) راجع الوفيات 4 : 441 حيث يبدي إعجابه أيضا بشعر خالص من الحشو .
( 3 ) الوفيات 4 : 424 .
( 4 ) انظر الوفيات 4 : 464 ، 441 ، 161 .
( 5 ) الوفيات 5 : 17 .
( 6 ) انظر نموذجا من ذلك في الوفيات 6 : 250 - 252 .