وربما كان بعض الناس لا يقبل مثل هذا التصرف ويعده غمزا في عدالة الرجل وميله إلى التحرّي الدقيق عن أمانة شهوده ، ولكن القصة من ناحية أخرى تدلّ على مبلغ حرصه على ألا يكشف عورة أحد ، وعلى صدّه لمترصدي المزالق في الآخرين .
وقد أثار بعض معاصريه زاويتين أخلاقيتين للطعن في سلوكه الشخصي - بالإضافة إلى كذبه في نسبه - وهما تعاطيه الحشيشة وميله إلى الغلمان ، وقد أجاب عن الأولى بأنه لو كان يريد مثل تلك اللذة ، لشرب الخمر ، وأنه يرى في كل ما كان من قبيل الخمر والحشيشة أمرا محرما ، وتوقف عن الإجابة على التهمة الثانية . وذهب بعضهم إلى تعيين محبوبه ، وإلى أنه كان يتصرف في بعض حالاته في حضور من يطمئن إليه تصرف المتيم الولهان « 1 » ؛ ومن الصعب أن يقول الباحث الحديث شيئا في هذه القضية ، فان أكثر أشعار ابن خلكان التي وصلتنا غزلية ، ولعلّ الذين نسبوا إليه ذلك إنما كانوا متأثرين بما يسمعونه من شعره ودوبيتاته ؛ على أن التعبير عن أحاسيس النفس شيء لا تقف دونه روح التدين التي كانت تغلب على سلوكه العام ، وربما كانت هذه العاطفة ناجمة عن زمام شديد من الورع . وليس لنا أن نقول إنه إن كان هناك مثل ذلك الميل لديه ، فإنه كان مواكبا لعهد الصبا ، ذلك لأن الحديث عن هذا الميل إنما كان في دمشق ، بعد أن عين قاضيا للقضاة ، وكان قد بلغ الخمسين أو تجاوزها . أيا كان الأمر فان صورة ابن خلكان التي يمكن رسمها من المصادر تدلّ على الاعتدال والتحرّج ، ومثل هاتين الصفتين تنبعان عن قوة في الإرادة ، وهي صفة تحول دون الاستسلام للتيارات العاطفية أو الشهوانية .
وقد تجلت روح التدين لديه في كثير من الصفات التي مرت الإشارة إليها : كالنزاهة والعدالة وكراهية الغيبة . . . الخ ؛ وربما اقترنت أيضا باكثاره من زيارة القبور ، وذلك أمر كان يفعله منذ أن كان في اربل « 2 » ؛ ولكنا
هامش
( 1 ) انظر الصفدي 7 : 312 والفوات 1 : 102 .
( 2 ) انظر الوفيات 2 : 238 .