تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة مقدمة 54

مساهمون:

صمقدمة ٥٤
وتلك المعارف - بالإضافة إلى عناصر أخرى في شخصيته - هي التي أهلته لمنصب القضاء ، وكفلت له التوفيق في ذلك المنصب ، مدة طويلة من الزمن ، كما كفلت له القيام بأعباء التدريس فيما وكل إليه من مدارس . غير أن الأخبار التي استطعت جمعها عن تحصيله العلميّ لا تصوّر إلا جانبا يسيرا من ثقافته ، فقد كان الرجل دائم الاطلاع ، محبا للكتب ينفق على اقتنائها ، أو يعتمد الاطلاع عليها في المكتبات الموقوفة على المدارس ، ويكاد كتابه أن يكون مرآة تصوّر تدرّج اطلاعه على تلك الكتب « 1 » . ويفصح كتابه عن ميل شديد إلى الشعر وأيام الناس « 2 » ، ويغلبه حبّه للشعر أحيانا ويزاحم لديه الحقيقة التاريخية ؛ وقد عرفنا أن ابن خلكان كان يطمح في أوائل عهده بطلب العلم أن يكون شاعرا ، وقد نظم كثيرا من الشعر - سيأتي الحديث عنه في موضعه - وربما انتسب إلى جمهرة الشعراء من أصدقائه أمثال ابن مطروح وابن الخيمي والجزار والبها زهير ، لولا أن انتسابه إلى القضاء كفل له رزقا مقررا ومكانة اجتماعية . وبعد العمل في القضاء لم تفتر صلته بالشعر والاهتمام به ، وتغذية الذوق الأدبي لديه باستمرار . وقد قيل فيه إنه كان أعرف الناس بديوان المتنبي في وقته « 3 » ، وهذا واضح في كتابه نفسه ، لا من كثرة إحالاته على ديوان المتنبي وحسب ، بل لأنه عقد بعض التراجم في كتابه ( مثل ترجمة فاتك وكافور ) باعتماد كثير على الديوان . ونقل عن الشيخ تاج الدين الفزاري وغيره أنه كان يحفظ سبعة عشر ديوانا من الشعر « 4 » ؛ ولهذا يمكن أن يقال إن الموجه الأول في ثقافته كان هو نزعته الأدبية التاريخية ، وأن من مكملات تلك الصورة الثقافية اهتمامه بالفقه والنحو واللغة .
هامش
( 1 ) انظر فهرست « مصادر المؤلف » في الجزء الخاص بالفهارس العامة ، وانظر فيما يلي الحديث عن تأليفه لكتابه « وفيات الأعيان » . ( 2 ) انظر أيضا الدارس 1 : 193 نقلا عن الفزاري . ( 3 ) المنهل الصافي ، وابن قاضي شهبة : 211 ( نقلا عن البرزالي ) وابن طولون : 35 . ( 4 ) ابن قاضي شهبة : 210 .