تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الأفق ورفع ذنب السرحان ، وقد ذكر ذلك تاج الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن - المقدم ذكره « 1 » - المعروف بالبندهي في كتاب « شرح المقامات » ولولا خوف الإطالة لبينت ذلك . ولما وصلت إلى حلب لأجل الاشتغال بالعلم الشريف ، وكان دخولي إليها يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة ست وعشرين وستمائة ، وهي إذ ذاك أم البلاد مشحونة « 2 » بالعلماء والمشتغلين ، وكان الشيخ موفق الدين المذكور شيخ الجماعة في الأدب ، لم يكن فيهم مثله ، فشرعت في القراءة عليه ، وكان يقرئ بجامعها في المقصورة الشمالية بعد العصر ، وبين الصلاتين بالمدرسة الرواحية ، وكان عنده جماعة قد تنبهوا وتميزوا به ، وهم ملازمون مجلسه لا يفارقونه في وقت الإقراء وابتدأت بكتاب « اللمع » لابن جني ، فقرأت عليه معظمها مع سماعي لدروس الجماعة الحاضرين ، وذلك في أواخر سنة سبع وعشرين ، وما أتممتها إلا على غيره لعذر اقتضى ذلك . وكان حسن التفهيم لطيف الكلام طويل الروح على المبتدىء والمنتهي ، وكان خفيف الروح ظريف الشمائل كثير المجون ، مع سكينة ووقار ؛ ولقد حضرت يوما حلقته ، وبعض الفقهاء يقرأ عليه « اللمع » لابن جني ، فقرأ بيت ذي الرمة في باب النداء :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أمّ سالم
فقال له الشيخ : إن هذا الشاعر لشدة ولهه في المحبة وعظم وجده بهذه المحبوبة أم سالم وكثرة مشابهتها للغزال كما جرت عادة الشعراء في تشبيههم النساء الصباح الوجوه بالغزلان والمها ، اشتبه عليه الحال ، فلم يدر هل هي امرأة أم ظبية ، فقال : آأنت أم أم سالم ؛ وأطال الشيخ موفق الدين القول في ذلك وبسطه بأحسن عبارة ، بحيث يفهمه البليد البعيد الذهن ، وذلك الفقيه منصت مقبل على كلامه بكليته ، حتى يتوهم من يراه على تلك الصورة أنه قد تعقل جميع ما قاله ، فلما فرغ الشيخ من شرحه قال له الفقيه : يا مولانا أيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية ؟ فقال له الشيخ قول منبسط : تشبهها في
هامش
( 1 ) انظر ج 4 : 390 ( 2 ) بر : محشوة .