تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
لكنه نادى : يا غلام ، مرآة أمير المؤمنين ، فجيء بها ، فقابل بها وجهه حتى أخذ ذلك الشيء بيده . ومن عجائب الظفر ما حكاه الصولي أن المتوكل قال : ركبت إلى دار الواثق أزوره في مرضه الذي مات فيه ، فدخلت الدار وجلست في الدهليز ليؤذن لي ، فسمعت بكاء بنياحة تشعر بموته ، فتحسست وإذا ايتاخ ومحمد بن عبد الملك الزيات يأتمران فيّ ، فقال محمد : نقتله في التنور ، وقال ايتاخ : بل ندعه في الماء البارد حتى يموت ولا يرى عليه أثر القتل . فبيناهم كذلك إذ جاء أحمد بن أبي دواد - وكان القاضي يومئذ - فمنعه الخدام الدخول ، فدافعهم حتى دخل ، فجعل يحدثهما بما لا أعقله لما داخلني من الخوف واشتغال القلب بإعمال الحيلة في الهرب والخلاص مما ائتمر به فيّ . فبينا أنا كذلك ، إذ خرج الغلمان يتعادون إلي ويقولون : انهض يا مولانا ، فما شككت أن أدخل وأبايع ولد الواثق وينفّذ فيّ ما قد قرر . فدخلت فلقيني أحمد بن أبي دواد ، فقبّل يديّ وأمسكهما إلى أن أتى إلى السرير وقال لي : اصعد إلى المكان الذي أهّلك اللّه له ؛ فلما صعدت وجلست سلّم عليّ بالخلافة ، وجاء محمد بن عبد الملك الزيات وايتاخ فسلما علي أيضا ، ثم دخل القواد فسلموا ، ثم الناس على طبقاتهم . فلما انقضت المبايعة بقيت متعجبا مما اتفق مع ما سمعته من كلام ابن الزيات وايتاخ ، فسألت عن الحال كيف جرى ، فقيل لي : بينا محمد وايتاخ في تقرير ما سمعته ، إذ دخل عليهما ابن أبي دواد فسلم ثم قال : أنا رسول المسلمين إليكما وهم يقرأون السلام عليكما ويقولون لكما : قد بلغنا وفاة إمامنا وعند اللّه نحتسبه ، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر ، فمن اخترتما لإمامتنا ؟ فقالا : محمدا ابنه ، فقال : بخ بخ ، ابن أمير المؤمنين إلا أنه صغير لا يصلح للإمامة ؛ فمن غيره ؟ قالا : فلان وفلان ، وعدّا جماعة ، إلى أن قالا : وجعفر بن المعتصم ، فقال : رضي المسلمون ، اصفقا على يدي ، فصفقا ، ثم أرسل إلي ، فكان ما أرى ، قال المتوكل : فبقي ما قاله ابن الزيات وايتاخ في نفسي فقتلتهما بما اعتزما به على قتلي ، فقتلت ابن الزيات في التنور وإيتاخ بالماء البارد . ولما قتل الأتراك المتوكل بمواطأة ابنه المنتصر وأفضى الأمر بعده وبعد
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 478 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس