تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11651

مساهمون:

ص١١٦٥١
يخفى على الله تعالى { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } [ الملك : 14 ] وكما أن الله تعالى لا يخفى عليه مثقال حبة من خردل ، حتى إن كانت في باطن صخرة ، أو في السماوات ، أو في الأرض ، كذلك لا تخفى عليه حسنة ولا سيئة مهما دَقَّتْ ، ومهما حاول صاحبها إخفاءها . وقلنا : إن المستشرقين وقفوا عند مسألة علم الله الخفي بخفايا خَلْقه ، وعند قوله تعالى : { يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } [ الأنبياء : 110 ] يقولون : الله يمتنُّ بعلم ما نكْتُم ، فكيف يمتنُّ بعلم الجهر ، وهو معلوم للجميع ؟ ونقول : الحق سبحانه في قوله : { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } [ الأنبياء : 110 ] لا يخاطب فرداً ، إنما يخاطب جماعة ، فهو يعلم جَهْر الجماعة في وقت واحد ، ومثَّلْنا لذلك بمظاهرة مثلاً ، فيها الآلاف من البشر يهتفون بأصوات مختلفة وشعارات شتى ، منها ما يعاقب عليه القانون ، فهل تستطيع مع اختلاط الأصوات وتداخلها أن تُميِّز بينها ، وتُرجع كل كلمة إلى صاحبها ؟ إنك لا تستطيع ، مع أن هذا جهر يسمعه الجميع ، أما الحق - تبارك وتعالى - فيعلم كل كلمة ، ويعلم مَنْ نطق بها ويردّ كل لفظ إلى صاحبه . إذن : من حقه تعالى أن يمتنَّ بعلم الجهر ، بل إن عِلْم الجهر أعظم من علْم السرِّ وأبلغ . وقوله تعالى { مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ . . } [ لقمان : 16 ] أي : وزن حبة الخردل ، وكانت أصغر شيء وقتها ، فجعلوها وحدة قياس للقلة ، وليس لك الآن أن تقول : وهل حبة الخردل أصغر شيء