الخالق الأول والمسبِّب الأعلى حتى تُحسِن شكر الوالدين ، وهما السبب الثاني في وجودك .
فقوله سبحانه : { أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير } [ لقمان : 14 ] أي : على الإيجاد ، لكن في موضع آخر : { وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } [ الإسراء : 24 ] وهذه للإيجاد وللتربية وللرعاية ، فكما أن هناك أبوةً للإيجاد هناك أبوة للتربية ، فكثيراً ما نجد الطفل يريبه غير أبيه وغير أمه ، ولا بُدَّ أنْ يكون لهؤلاء نصيب من الشكر ومن الولاء والبرِّ ما دام أن الله تعالى ذكرهم في العلة { وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } [ الإسراء : 24 ]
والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً ، فإذا لم يكُنْ للأب الحقيقي وجود ، فالأبوة لمن ربَّى ، وله نفس حقوق الأب من حيث الشكْر والبر والمودة ، بل ينبغي أن يكون حقُّه مضاعفاً ؛ لأن في الأب الحقيقي عطف البُضع على البُضع ، وفي الأب المربِّي عطف الدين على الدين ، وهذه مسألة أخرى غير مجرد الأبوة .
لكن ، هل شكر الله أولاً دُرْبة على أنْ تشكر الوالدين ، وهما السبب المباشر في وجودك ؟ أم أن شكرَ الوالدين دربةٌ على أن تشكر الله الذي خلقك وأوجدك ؟ نقول : هما معاً ، فشُكْر الله يستلزم شكْر الوالدين ، وشكر الوالدين ينتهي إلى شُكْر الله .
وقوله : { إِلَيَّ المصير } [ لقمان : 14 ] أي : المرجع ، والمعنى : أنني أوصيك بأهم شيء فاحذر أنْ تخالف وصيتي ؛ لأنني أقدر على أنْ أعاقب مَنْ خالف .
تفسير الشعراوي — صفحة 11645
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٤٥