ومبالغة تناسب افتعال الفعل ؛ لذلك يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا : { فَقَدِ احتملوا . . . } [ الأحزاب : 58 ] ولم يَقُلْ حملوا ، وفَرْق بين حمل واحتمل ، حمل تُقال لما في طاقتك حَمْله ، إنما احتمل يعني فوق الطاقة ، وإنْ حملْته تحمله بمشقة ، فالجزاء هنا من جنس العمل ، فكما تفاعلْتَ وتكلَّفْتَ في المعصية كذلك يكون الجزاء عليها .
{ فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } [ الأحزاب : 58 ] البهتان : أن تقول في غيرك ما ليس فيه ، فالبهتان كذب ، أمَّا الإثم : فأنْ ترتكب ذنباً في حقه بأن تؤذيه بصفة هي فيه بالفعل ، لكنه يكره أنْ تصفِه بها ، كما تقول للأعمى مثلاً : يا أعمى .
لذلك ورد في الحديث لما سُئل سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أرأيتَ إنْ كان في أخي ما أقول ؟ قال : « إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَهُ ، وإنْ لم يكن فيه ما تقول فقد بَهته » أي : كذبْتَ وافتريْتَ عليه .
ووصف الحق سبحانه الإثم هنا بأنه مبين { وَإِثْماً مُّبِيناً } [ الأحزاب : 58 ] يعني : جَليٌّ واضح ؛ لأن الوضوح في الإثم إما أن يكون بأنْ تُقِر أنت به وتعترف بذنبك ، وإما أنْ يكون بالبينة ، فلو سألناك : أنت قلت لهذا الرجل يا أعمى ، أتحب أنْ تُوصَف أنت بصفة تكرهها ؟ لا بُدَّ أنْ تقول : لا أحب . إذن : فالإثم هنا واضح ، ويكفي إقرارك به .
وينبغي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما علَّمَنَا سيدنا رسول الله ، فكما أنه لا يُرضيك أنْ يسرق الناس منك ، كذلك أنت
تفسير الشعراوي — صفحة 12159
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٥٩