من الخالق سبحانه ، والله تعالى حين يُضخِّم العقوبة ويؤكد عليها ، إنما يريد ألاَّ يجتريء على حدوده ، وألاَّ نُعرِّض أنفسنا لهذه العقوبات ، ولك أنْ تسأل حين تقرأ قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ . . . } [ البقرة : 179 ] .
كيف تكون الحياة في القتل ؟ نعم ، في القصاص حياة ؛ لأنك حين تعلم أنك إنْ قتلتَ تُقتَل ، فلن تُقدم أبداً على القتل ، وبذلك حَمَى الله القاتل والمقتول ، وهل يُعَدُّ هذا إيذاءً ؟
ومعنى { بِغَيْرِ مَا اكتسبوا . . . } [ الأحزاب : 58 ] أي : بغير جريمة تستحق الإيذاء ، وكلمة { اكتسبوا . . . } [ الأحزاب : 58 ] قلنا : هناك فَرْق بين : فعل وافتعل ، فعل أي الفعل الطبيعي الذي ليس فيه مبالغة ولا تكلُّف ، أما افتعل ففِعْل فيه تكلُّف ومبالغة ، كذلك كسب واكتسب ، كسب : أنْ تأخذ في الشيء فوق ما أعطيت ، كما لو اشتريت بخمسة وبِعْتَ بسبعة مثلاً فهذا كسْب ، أما اكتسب ففيها زيادة وافتعال .
لذلك تجد في العُرْف اللغوي العام أن كسب تأتي في الخير واكتسب تأتي في الشر ، مثل قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت . . . } [ البقرة : 286 ] لها ما كسبتْ تفيد الملكية ، وعليها تفيد الدَّيْن .
ذلك لأن الأمر الحلال يأتي طبيعياً تلقائياً ، أما الحرام فيحتاج إلى محاولة وافتعال واحتياط ، فحين تنظر مثلاً إلى زوجتك تكون طبيعياً لا تتكلف شيئاً ، أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع ، فإنك تتلصص لذلك وتسرق النظرات ، خشية أن يطلع أحد على فِعْلتِك ، هذا هو الفرق بين الحلال والحرام .
تفسير الشعراوي — صفحة 12157
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٥٧