إذن : جاء الاجتباء بعد المعصية ، فإنْ قلتَ : فما الداعي للعصيان يصدر من آدم ، وهو يُعد للنبوة ؟ قالوا : لأنه أبو البشر ، والبشر قسمان : بشر معصومون ، وهم الأنبياء ، وبشر ليست لهم عصمة وهم عامة الناس غير الأنبياء ، ولا بُدَّ لآدم أنْ يمثل النوعين لأنه أبو الجميع ، فمثَّل البشر عامة حين وقع في المعصية ، ومثّل الأنبياء حين اجتباه ربه وتاب عليه ، فجمع بذلك بين الملحظين .
هنا يقول سبحانه : { وَلَقَدْ آتَيْنَا . . } [ لقمان : 12 ] والإيتاء يُطلَق على الوحي مع الفارق بينهما ، فإنْ أطلق الوحي فإنه ينصرف إلى الوحي للرسول بمنهج من الله ، ويُعرَف الوحي عامة بأنه إعلام بخفاء .
ومن ذلك قوله تعالى في الوحي للملائكة : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ . . . } [ الأنفال : 12 ]
ويُوحِي للبشر ، قال تعالى : { وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ . . } [ القصص : 7 ]
ويوحى للحيوان { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً . . . } [ النحل : 68 ]
ومن ذلك أيضاً يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من شياطين الإنس أو الجن : { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ . . . } [ الأنعام : 121 ]
كذلك يوحي الله إلى أهل الخير من أتباع الرسل : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي . . . } [ المائدة : 111 ]
هذا في المعنى اللغوي للوحي وهو : إعلام بخفاء ، فإنْ قصدت الوحي الشرعي الاصطلاحي : فهو إعلام من الله لرسوله بمنهجه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11609
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٠٩