ثم قال لامرأته : هَيِّئي ابنتك ، واصنعي لها فُسْطاطاً بفناء البيت ، ولما صُنع الفسطاط حُملت إليه بهيثة ، ودخل عليها الحارث ، لكنه لم يلبث طويلاً حتى خرج ، فسأله ابنُ سنان : أفرغتَ من شأنك ؟ قال : لا والله ، يا بن سنان ، قال : ولم ؟ قال : جئتُ لأقترب منها . فقالت : أعند أبي وإخوتي ؟ والله لا يكون ذلك أبداً ، فخرجتُ .
فقال : ما دامتْ لا ترضى وهي عند أبيها وإخوتها ، فهيَّا بنا نرحل ، فأمر بالرحيل ، وسار الركب بهم طويلاً ، ثم قال : يا بن سنان تقدَّم أنت - يعني : أعطنا الفرصة - 0 فتقدَّم ابن سنان بالركْبِ ، وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب خيمته ، ثم دخل عليها فقالت له : ما شاء الله ، أتفعل بي كما يُفعل بالسَّبِيَّة الأخيذة ، والأَمَة الجليبة ؟ والله لا يكون ذلك حتى أذهب إلى أهلك وبلدك ، وتذبح لي الذبائح ، وتدعو سادة العرب ، وتصنع ما يصنعه مثلك لمثلي .
الشاهد هنا - وهو درس لبنات اليوم - أنها لم ترْضَ لزوجها ، ولم تقبل منه في بيت أبيها ، ولا في الطريق ، ولم تتنازل عن شيء من عِزَّتها وكبريائها ، مع أنها زوجته .
وفعلاً تمَّ لها ما أرادت ، وذُبِحَتْ لها الذبائح ، ودُعي لها سادات العرب ، فلما دخل عليها وحاول الاقتراب منها ، قالت : لقد ذكرتَ لي شرفاً ما رأيتُ فيك شيئاً منه ، فقال : ولم ؟ قالت : أتفرغُ لأمر النساء والعرب يقتلُ بعضُهم بعضاً - تريد الحرب الدائرة وقتها بين عبس وذبيان - اذهب فأصلح بينهما ، ثم عُدْ لأهلك ، فلن يفوتك مني شيء ، فذهب الحارث وابن سنان ، وأصلحا بين عبس وذُبْيان ،
تفسير الشعراوي — صفحة 12089
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠٨٩