أو مشقة ، ويلهج به لسانك في أي وقت ، وعلى أي حال أنت فيه ، واقرأ في ذلك قوله تعالى من سورة الجمعة : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ الجمعة : 10 ] فما دام أن الذكر هو أنْ تجعل الله على بالك ، فلا يمنعك من ذلك سَعْيٌ ولا عمل ؛ لأن الذِّكْر أخف العبادات وأيسَرُها على النفس ، وأثقلها في الميزان .
ثم تأمل : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً } [ الأحزاب : 21 ] .
فمن عظمة سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن باله لم يَخْلُ لحظة من ذكر ربه أبداً ؛ لذلك ورد عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال عن نفسه : « تنام عيني ، ولا ينام قلبي » .
ثم تُختم الآية بقوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } [ الأحزاب : 34 ] اللطف هو الدقِّة في تناول الأشياء وحُسْن تأتِّي الأمور مهما كانت وسائلها ضيقة ، وسبق أنْ أوضحنا هذا المعنى وقلنا : إن الأشياء الضارة مثلاً كما لطُفَتْ عَنُفتْ ، فالحديد الذي تجعله على النوافذ ليحميك من الذئاب ، غير الحديد الذي يحميك من الثعابين ، أو من الناموس والذباب . . إلخ ؛ لذلك نجد أن أفتك الأمراض تأتي من الفيروسات اللطيفة التي لم تُعرف .
وحُسْن التأتِّي للأمور يعني التغلغل في الأشياء مهما دَقَّتْ ، فقد تُضطر مثلاً لأنْ تُدخِل يدك في شيء ضيق لتتناول شيئاً بداخله ، فلا تستطيع ، فتستعيَن على ذلك بالولد الصغير ؛ لأن يده ألطف من يدك ، أو تستعين على ذلك بآلة أدقّ لتؤدي بها هذا الغرض .
تفسير الشعراوي — صفحة 12028
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠٢٨