أَحْسِنْ إلىَ النَّاسِ تَسْتعبدِ قُلُوبَهُم . . . وطَالَما اسْتعبَد الإنْسانَ إحْسَانُ
فالبخل وإنْ كان مذموماً ، فقد ركزه الله في بعض الطباع ليعين التضاد ، ومعنى « يعين التضاد » أن البخل مقابله الكرم ، والبخيل يعاون الكريم على أداء مهمته ، فالكريم عادة ( إيده سايبه ) ، ينفق هنا وهناك حتى ينفد ما معه ، ومن أهل الكرم مَنْ يلجأ إلى أنْ يبيع أرضه أو بيته في سبيل كرمه ، فمَنْ يشتري منه إذن إذا لم يكُنْ هناك مَنْ يكنز المال ويبخل به ؟
إذن : لو نظرتَ إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة ، حتى إنْ كان مذموماً ، ثم إن البخيل كثيراً ما يكون ظريفاً لا يخلو مجلسه من ظُرْفه ، فقد كنا في بواكير شبابنا نشرب السجائر ، فكان الواحد منا يُخرج علبة السجائر يوزعها على الحاضرين ، وربما لا تكفي واحدة فأخرج الأخرى ، وكان في مجلسنا واحد من هؤلاء ، فنظر إليَّ في غَيْظ وقال ( يا قلبك يا أخي ) .
وقد كانت هذه السجائر سبباً في أننا جُرْنا على شبابنا ، فكان لها أثر بالغ علينا في الكِبَر ، فليحْمِ الشباب شبابهم ولا يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة .
ثم يقول سبحانه : { فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ . . } [ الأحزاب : 19 ] أي : في ساعة الفزع ، يأخذ الفزع أبصارهم ، فينظرون هنا وهناك ، لا تستقر أبصارهم ، ولا تسكن إلى شيء ، زاغتْ أبصارهم { كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت . . } [ الأحزاب : 19 ]
ومن ذلك الخبر : « إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتَقلُّون عند الطمع » .
كان هذا حالهم عند الخوف والفزع { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ . . } [ الأحزاب : 19 ] معنى { سَلَقُوكُمْ . . } [ الأحزاب : 19 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 11974
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٧٤