تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11976

مساهمون:

ص١١٩٧٦
خلقك خيراً ، فلا تقطع ما عوَّدتني حتى لا أقطع عن الناس ما عوَّدتهم . إذن : فالعطاء استدرار لنعمة الله ، وسبب للمزيد منها . وهَبْ أن لك عدة أولاد ، أعطيتَ لواحد منهم جنيهاً مثلاً ، فذهب واشترى به حلوى ، ثم وزَّعها على إخوته ، ولم يُؤثِر نفسه عليهم ، لا بُدَّ أنك ستأتمنه ، وتعطيه المزيد ؛ لأن الخير في يده يفيض على الآخرين . ونتيجة عدم الإيمان { فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً } [ الأحزاب : 19 ] أي : أنهم عملوا ، لكن أعمالهم لا رصيدَ لها من إيمان ؛ لذلك أحبطها الله أي : جعلها غير ذات جدوى ولا فائدةَ تعود عليهم . وهذه القضية أوضحها القرآن في قوله تعالى : { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد } [ إبراهيم : 18 ] وهذا الإحباط أمر يسير على الله تعالى ، لكن أفي حَقَّ الله تعالى نقول : هذا صعب ، وهذا يسير ؟ قالوا : كلُّ أمر الله يسير ؛ لأنه تعالى لا يفعل بمعالجة الشيء إنما يفعل سبحانه بكن ، وسبق أن مثلنا لمعالجة الأفعال بمَنْ يريد أنْ ينقل مثلاً عشرة أرادبّ من القمح ، فإنه لا يستطيع إلا أنْ يحملها مُجزَّأة ، فينقل ( الجُوال ) من هنا إلى هناك ، ثم الآخر ، إلى أنْ ينتهي من الكمية كلها ، ويأخذ في هذا العمل وقتاً يتناسب مع قوته . فلما تقدَّم العلم ، وتطوَّر الفكر الإنساني رأينا الآلة التي تحمل كل هذه الكمية وتنقلها في حركة واحدة ، وبمجرد الضغط على مجموعة من الأزرار والمفاتيح ، فإذا كان العبد المخلوق لله عَزَّ وَجَلَّ قد استطاع أنْ يصل إلى هذا التيسير ، فما بالك بالخالق عَزَّ وَجَلَّ ؟