ولا شكَّ أن هذا آلم وأشدّ على نفس السجين ، ولو رفض السجان أنْ يأتي له بالماء من البداية لكان أخفّ ألماً . وهذا الفعل يسمونه « يأس بعد إطماع » فقد ابتدأ معه بداية مُطمِعة ، وانتهى به إلى نهاية موئسة ، نعوذ بالله من القبض بعد البسط .
ثم يذكر الحق سبحانه عقوبة الإضلال عن سبيل الله والتولِّي والاستكبار { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ لقمان : 7 ] فعذابهم مرة ( مهين ) ومرة ( أليم ) .
ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ . . . } .
وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في مقابل الذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله ، وهذه سِمَة من سمات الأسلوب القرآني ؛ لأن ذكر الشيء مع مقابله يُوضِّح المعنى ويعطيه حُسْناً ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ } [ الانفطار : 13 - 14 ]
فالجمع بين المتقابلات يُفرح المؤمن بالنعيم ، ثم يفرحه بأنْ يجد أعداءه من الكفار الذين غاظوه واضطهدوه وعذَّبوه يجدهم في النار .
وقلنا : إن الحق - سبحانه وتعالى - حينما يتكلم عن الإيمان يردفه بالعمل الصالح { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ لقمان : 8 ] لأن الإيمان أن تعلم قضايا غيبية فتُصدِّق بها ، لكن ما قيمة هذا الإيمان إذا لم تنفذ مطلوبه ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 11593
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٩٣