وهذا المستكبر استكبر عن سماع الآيات { كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً } [ لقمان : 7 ] أي : ثِقَل وصَمَم { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ لقمان : 7 ] ونحن نعلم أن البشارة لا تكون إلا في الخير ، فهي الإخبار بأمر سارٍّ لم يأْت زمنه ، كما تبشر ولدك بالنجاح قبل أنْ تظهر النتيجة .
أما البشارة بالعذاب فعلى سبيل التهكّم بهم والسخرية منهم ، كما تتهكم من التلميذ المهمل فتقول له : أبشرك رسبت هذا العام . واستخدام البُشرى في العذاب كأنك تنقله فجأة من الانبساط إلى الانقباض ، وفي هذا إيلام للنفس قبل أن تُقاسي ألم العذاب ، فالتلميذ الذي تقول له : أُبشِّرك يستبشر الخير بالبشرى ، ويظن أنه نجح لكن يُفَاجأ بالحقيقة التي تؤلمه .
والشاعر يُصوِّر لنا هذه الصدمة الشعورية بقوله :
كَما أبرقَتْ يَوْماً عِطَاشَاً غَمامَةٌ . . . فَلمّا رأوْهَا أقْشَعَتْ وتجلَّتِ
ويقول آخر :
فَأصْبحتُ من ليلى الغَداةَ كقَابِضٍ . . . علَى الماء خَانتْه فُروجُ الأصَابِع
لذلك يقولون : ليس أشرّ على النفس من الابتداء المطمع يأتي بعده الانتهاء الموئس ، وسبق أن مثلنا لذلك بالسجين الذي بلغ به العطش منتهاه ، ورجا السجان ، إلى أنْ جاء له بكوب من الماء ، ففرح واستبشر ، وظن أن سبحانه رجل طيب أصيل فلما رفع الكوب إلى فيه ضربه السجان من يده فأراقه على الأرض .
تفسير الشعراوي — صفحة 11592
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٩٢